ولم يمرّ المفسّرون بهذا المشهد مرور القُصّاص، بل التقطوا منه أصلًا من أصول القضاء. قال القرطبي: «استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها وأجمعوا على أن يعقوب استدل على كذبهم بصحة القميص»، ثم يصوغ القاعدة في سطر واحد: «وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح». فالدم أمارة، وسلامة الثوب علامةٌ تعارضها، والناظر الحاذق لا يُصغي لإحداهما حتى يزنها بأختها. وعلى هذا الميزان نفسه جرى المنظِّم السعودي حين قضى في نظام الإثبات بأنه «إذا تعارضت أدلة الإثبات ولم يمكن الجمع بينها فتأخذ المحكمة منها بحسب ما يترجح لها من ظروف الدعوى، فإن تعذر ذلك فلا تأخذ المحكمة بأي منها»، وألزمها في كل حال «أن تبين أسباب ذلك في حكمها»؛ فبين كلمة القرطبي ونصّ المادة النظامية نسبٌ قريب لا تخطئه العين.
والعجيب أن القميص نفسه عاد بعد سنين ليشهد ليوسف هذه المرة لا عليه. فحين رمته امرأة العزيز بما رمته به، لم يكن في البيت مَن رأى ما جرى، فجاء الفصل من شاهدٍ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ويعقّب ابن القيم: «فتوصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب». أما ابن فرحون، قاضي المالكية في المدينة، فرأى في تلك الشهادة درسًا للقضاة إلى آخر الدهر، فقال: «أرشدنا على لسانه إلى التفطن والتيقظ والنظر إلى الأمارات والعلامات، التي يعلم بها صدق المحق، وبطلان قول المبطل»، وحكى عن ابن الفرس أن «هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات». وقميصُ اليوم ورقةٌ في ملف دعوى، تفضحها حالها كما فضح الثوبَ تمزّقُه؛ ولذلك أذن المنظم للمحكمة «-ولو لم يدع أمامها بالتزوير- أن تحكم برد أي محرر وبطلانه إذا ظهر لها بجلاء من حالته أو من ظروف الدعوى أنه مزور»، ثم أوجب عليها أن تبيّن «في حكمها الظروف والقرائن التي تبينت منها ذلك».
لكن أين تنتهي الأمارة ويبدأ الوهم؟ تلك هي المسألة التي استهلّ بها ابن القيم كتابه (الطرق الحكمية)، إذ سُئل عن الحاكم يحكم بالفراسة والقرائن التي يظهر له فيها الحق، والاستدلال بالأمارات ولا يقف مع مجرد ظواهر البينات والإقرار. وكان أبو الوفاء ابن عقيل قد استُفتي في المسألة عينها قبله، فأجاب بتفريق دقيق: «ليس ذلك حكما بالفراسة، بل هو حكم بالأمارات. وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك».
وليس هذا التمييز لفظيًا كما قد يحسبه البعض؛ فقد عقد علاء الدين الطرابلسي الحنفي في (معين الحكام) بابًا للقضاء بقرائن الأحوال، ثم أردفه بفصل «في ذكر الفراسة والمنع من الحكم بها»، وصرّح فيه بلا مواربة: «فالحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والحزر والتخمين، وذلك فسق وجور من الحاكم، والظن يخطئ ويصيب». ويظهر لي أن هذا هو مفتاح المسألة كلّها: فالفراسة خاطرٌ يجول في صدر القاضي لا يملك أن يُرِيَه غيره، والقرينة واقعةٌ قائمة في الخارج يراها الخصم كما يراها الحَكَم، ويستطيع أن يجادل فيها ويدفعها. وعند هذا الحدّ عينه وقف نظام الإثبات، فقرّر في مادته الثانية أنه «لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي»، واشترطت أدلته الإجرائية في كل قرينة تستخرجها المحكمة «أن تكون مستندة لما طرح أمامها في الدعوى»؛ فما لم يُبسط على مائدة الخصومة لا يصلح أن يُشاد عليه قضاءً.
ومن هنا وسّع ابن القيم مدلول «البينة» نفسها، فلم يحبسها في الشهود كما صنع كثير من المتأخرين، وكتب في (إعلام الموقعين): «البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين»، ثم علّل ذلك بأن «الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به»، وأنه «لا يرد حقًا قد ظهر بدليله أبدًا».