صباح الثامن من أغسطس 2016، لم تكن شركة دلتا للطيران الأمريكية تتوقع تحول عطل في إمدادات الكهرباء داخل أحد مراكز البيانات، إلى أزمة تربك آلاف المسافرين. لم يكن الأمر إعصارا أغلق المطارات، ولا حادثا أدى إلى تضرر الطائرات، بل مشكلة تقنية أصابت الأنظمة التي تعتمد عليها الشركة في إدارة عملياتها.

بدأت المشكلة في مركز البيانات التابع للشركة في أتلانتا، بعدما عطل انقطاع الكهرباء أنظمة حاسوبية لم تتمكن بعض مكوناتها من الانتقال إلى مصادر الطاقة الاحتياطية كما هو مفترض. في الساعات التالية، اتسعت آثار العطل، ووصلت إلى عمليات الشركة في وجهات متعددة.

المسافر الذي وصل للحاق برحلته، لم يكن مهما أن يعرف تفاصيل الخلل التقني. يريد أن يعرف موعد إقلاع طائرته، وأن يصل إلى وجهته في الوقت المحدد. لكن تعطل الأنظمة جعل تنظيم الرحلات والتعامل مع المسافرين أكثر صعوبة، وأصبحت الشركة أمام مهمة مزدوجة تتمثل في إصلاح الخلل وإعادة ترتيب عملياتها المتأثرة.


خلال ثلاثة أيام، ألغت الشركة نحو 2300 رحلة، وأعلنت أن آثار العطل وجهود استعادة التشغيل انعكست على نتائجها المالية. هكذا تحولت مشكلة في مركز بيانات إلى أزمة امتدت آثارها إلى المسافرين والموظفين والعمليات والإيرادات.

لم تكن القصة مجرد عطل حاسوبي، بل كشفت حقيقة مهمة في عالم الأعمال، وهي أن المؤسسة قد تكون قادرة على أداء عملها بكفاءة عالية في الظروف المعتادة، لكنها تصبح في موقف صعب عندما يتوقف النظام الذي تعتمد عليه معظم عملياتها.

أصبحت التقنية جزءا أساسيا من عمل المؤسسات. شركات الطيران تعتمد على الأنظمة الرقمية لتنظيم الرحلات وإدارة الحجوزات، والمستشفيات تحتاج إليها للوصول إلى معلومات المرضى، والمصارف تستخدمها لتنفيذ المعاملات، والمتاجر تعتمد عليها في البيع والمخزون والدفع. وفي كثير من المواقع، أصبح استمرار العمل مرتبطا بقدرة الأنظمة على أداء وظائفها من دون انقطاع.

التقنية وفرت الوقت والجهد، لكنها جعلت الاعتماد عليها مسألة تحتاج إلى حساب دقيق. فعندما تتركز أعمال كثيرة في نظام واحد، تعطل هذا النظام قد يؤثر في جميع الأعمال، حتى لو كانت بقية أجزاء المؤسسة سليمة.

وهنا تظهر أهمية استمرارية الأعمال، المؤسسة لا ينبغي أن تكتفي بمعرفة كيفية أداء عملها في الأيام العادية، بل تحتاج أيضا إلى ترتيبات واضحة تتيح لها مواصلة الخدمات الأساسية عندما تواجه مشكلة تعطل أنظمتها أو فقدان أحد مواردها المهمة.

ولا يعني ذلك أن على كل مؤسسة منع جميع الأعطال، فهذا أمر صعب . الأهم أن تكون مستعدة للتعامل مع العطل من دون أن تفقد قدرتها على أداء أعمالها الأساسية لفترة طويلة. ويتطلب ذلك معرفة الخدمات التي لا تحتمل التوقف، وتحديد الأنظمة والموارد التي تعتمد عليها، وتجهيز بدائل عملية عند الحاجة.

وجود مصدر طاقة احتياطي، على سبيل المثال، لا يكفي إذا لم يكن قادرا على تشغيل المعدات المطلوبة. وجود نسخة احتياطية من البيانات لا يضمن استعادة العمل إذا لم تختبر المؤسسة قدرتها على استرجاعها. كما أن وجود خطة لاستمرارية الأعمال لا يقدم الكثير إذا كان الموظفون لا يعرفون أدوارهم، أو إذا لم تجرب المؤسسة تطبيقها في ظروف قريبة من الواقع.

قد يكون البديل بسيطا في بعض الأعمال، مثل استخدام إجراء يدوي مؤقت لتسجيل الطلبات أو تنظيم المواعيد لحين عودة النظام. وفي أعمال أخرى قد يتطلب الأمر وجود مركز بديل للتشغيل، أو أنظمة تقنية مستقلة، أو اتفاقات مسبقة مع جهات أخرى لتقديم الخدمة عند تعطل الموارد الأساسية. وتختلف الحلول باختلاف طبيعة المؤسسة، لكن الغاية واحدة، وهي ألا يتوقف العمل كله بسبب تعطل جزء واحد منه.

وتبرز أهمية هذا الأمر في المؤسسات التي تقدم خدمات تمس حياة الناس مباشرة. ففي المستشفى، على سبيل المثال، قد يؤدي تعطل النظام الإلكتروني إلى صعوبة الوصول السريع إلى بعض المعلومات، وفي مركز خدمة قد تتراكم معاملات المستفيدين، وفي شركة نقل قد يتأثر تنظيم الرحلات وتوزيع المركبات. وقد لا تكون المشكلة في كل هذه الحالات خطيرة بذاتها، لكن آثارها تتسع عندما لا تتوافر طريقة واضحة لمواصلة العمل.

ومن المهم أيضا أن تعرف المؤسسة الوقت الذي تستطيع فيه تحمل توقف كل خدمة. فبعض الأعمال يمكن تأجيلها لساعات، بينما لا تحتمل أعمال أخرى سوى توقف محدود. وكلما كانت الخدمة أكثر أهمية، ازدادت الحاجة إلى ترتيبات واضحة لاستمرارها، وإلى اختبار هذه الترتيبات قبل وقوع الأزمة.

ولا يكفي أن تضع الإدارة هذه المسؤولية على عاتق فريق التقنية وحده. فقد يكون العطل تقنيا، لكن أثره يصل إلى إدارات متعددة، ويحتاج التعامل معه إلى قرارات تشغيلية وإدارية واتصالات واضحة مع الموظفين والعملاء والجهات ذات العلاقة. ومن دون توزيع المسؤوليات قبل حدوث المشكلة، قد تضيع دقائق ثمينة في انتظار التوجيهات أو محاولة تحديد الجهة التي تتولى القرار.

وتكشف مثل هذه الوقائع أهمية النظر إلى المؤسسة بوصفها مجموعة من الأعمال المترابطة، لا مجرد إدارات تعمل كل واحدة منها بصورة مستقلة. فقد تنجح إدارة التقنية في إعادة النظام إلى العمل، لكن المؤسسة تظل بحاجة إلى معالجة الطلبات المتراكمة، وتحديث المعلومات، وإبلاغ المستفيدين، واستعادة المواعيد والخدمات التي تأثرت بالتوقف.

وهذا ما يجعل اختبار خطط استمرارية الأعمال جزءا مهما من الإدارة، وليس إجراءً يستكمل لمجرد الوفاء بمتطلبات تنظيمية. فالاختبار يكشف ما قد لا يظهر في الاجتماعات والتقارير، ويبين مدى قدرة الموظفين على تنفيذ الإجراءات البديلة، كما يساعد على اكتشاف جوانب القصور قبل أن يواجهها الناس أثناء أزمة حقيقية.

المؤسسة القوية ليست التي لا تتعرض للأعطال، إنما التي تعرف ما الذي ينبغي أن يستمر، وكيف تحافظ عليه، ومن يتولى القرار، وما البدائل المتاحة عندما يتوقف النظام الأساسي. هذه الاستعدادات هي التي تحد من تحول المشكلة المحدودة إلى اضطراب واسع يمس الموظفين والعملاء والشركاء.