امتدت اعتداءات الحوثي إلى مدن المملكة ومطاراتها ومرافقها المدنية، وتصدت لها السعودية بما يحفظ أمنها وسلامة أبنائها. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، ظل اليمن حاضرا في الموقف السعودي بما يستحقه شعبه وقيادته الشرعية من مساندة، وبما يليق بمستقبله من أمن واستقرار. أما سؤال عبدالرحمن الراشد «لم لا نتعامل مع الحوثي بدلا من محاربته؟» فيستدعي النظر في تاريخ الجماعة مع العهود والمواثيق: فأي ثقة يستحقها اتفاق جديد إذا بقيت الممارسات التي أفضت إلى انهيار الاتفاقات السابقة، وبقيت موارد اليمن ومؤسساته عرضة للاستغلال في صراعات لا يختارها أبناؤه؟
شارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني، ثم مضوا إلى السيطرة على صنعاء. وتحالفوا مع علي عبدالله صالح قبل أن تنتهي تلك الشراكة بمقتله. وبين الحوار والانقلاب، وبين التحالف ونهايته الدامية، تاريخ يستحق أن يكون حاضرا عند الحديث عن المعاهدات المقبلة. فصدق العهد لا يمتحن حين تتوافق المصالح، بل حين تتعارض مع ما التزم به أصحابه. وليس ضروريا أن نحاكم النيات ما دامت الوقائع تتيح مساءلة السلوك؛ فالاتفاق الذي لا يقيد أسباب نقضه قد يحمل في داخله موعد انهياره.
للهدنة في وجدان اليمنيين معنى يتجاوز توقف القتال؛ ففي انتظارها شيء من أعمارهم التي مضت، وفي الأمل بها ما تبقى من أحلامهم المؤجلة. غير أن الزمن الذي يرجوه الناس لاستعادة حياتهم قد تستغله الجماعة لإعادة ترتيب مصالحها. وقد يمضي اليوم الواحد على اليمني أملا في حياة تستأنف ما انقطع منها، بينما تظل أسباب الحرب قائمة تنتظر ظرفا يعيدها. فأي خسارة أشد من أن يكتشف شعب انتظر السلام طويلا أن ما حسبه نهاية لمحنته لم يكن سوى فصل آخر منها؟
ليس التفاوض في ذاته تنازلا، ولا الهدنة دليلا كافيا على انتهاء الحرب. ولوقف القتال قيمة إنسانية لا يصح التقليل منها، إلا أن السلام الذي يستحق ثقة الناس يحتاج إلى ما يضمن الوفاء بالعهود، ويحول دون استغلال موارد الدولة في إطالة أمد الحرب، ويحفظ أمن اليمنيين والمملكة والمنطقة. وللمعاهدات من القيمة بقدر ما تستطيع أن تحميه بعد توقيعها؛ فما يستحق أن يبقى في ذاكرة الشعوب ليس يوم اجتماع المتفاوضين، وإنما ما استطاعت الاتفاقات أن تصونه من حياة أبنائها.
كم من السنوات يحتاج اليمن كي يستعيد ما فقده خلال حرب الحوثي العبثية، وكم من الفرص ينبغي ألا تضيع من مستقبل أبنائه؟ ليست حاجته إلى وعد آخر يضاف إلى ذاكرة الوعود، وإنما إلى سلام يستطيع أن يثق بأن الغد لن يعيد إليه ما عاناه بالأمس. أما الاتفاق الذي يترك أسباب المحنة قائمة، ثم ينتظر من الناس أن يطمئنوا إلى نتائجه، فكيف يمنح وطنا عافيته ما دام يحمل في داخله أسباب سقمه؟
د. ياسين عزي – أكاديمي وكاتب سعودي