فحين تُلقى فوائض المواد الغذائية في البحر حفاظًا على توازن الأسعار، ويُمنع توزيعها على الفقراء والمحتاجين، نكون أمام مفارقة تكشف كيف يمكن للمنطق الاقتصادي، حين ينفصل عن الضمير الأخلاقي، أن يبرّر هدر الطعام بينما يموت آخرون جوعًا.
أيُّ منطق هذا الذي يرى في إطعام الجائع تهديدًا للسوق، ولا يرى في موته تهديدًا للإنسانية؟
الإنسان الذي تُحدَّد قيمته وفقًا لجنسه أو القارة التي ينتمي إليها، يصبح خاضعًا لميزان مادي يحدّد مقدار الاهتمام به، وكأن قيمة حياته لا تُستمد من إنسانيته، بل من موقعه الجغرافي ومدى ما يمثّله من مصالح. وهنا ينقلب المنطق من أداة لتحقيق العدل إلى وسيلة لتبرير التفاوت في قيمة البشر، فيصبح بعضهم جديرًا بالحماية، بينما يُترك آخرون لمواجهة الموت والفقر والجوع.
لعلّ ما يجري في الشرق الأوسط يكشف جانبًا من هذه المفارقة؛ ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات حقوق الإنسان والعدالة، يموت أطفال غزة والسودان واليمن، وغيرهم من أطفال مناطق عديدة في العالم، وسط عجز دولي أو استجابات لا تتناسب مع حجم المأساة. ولا تكمن المفارقة في اختلاف المواقف السياسية وحده، بل في السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه: لماذا لا تحظى حياة الإنسان بالقيمة ذاتها، بصرف النظر عن جنسيته أو دينه أو موقعه الجغرافي؟
كشفت الأحداث أن المنطق، مهما بلغ من الدقة والكفاءة، لا يكفي وحده لبناء عالم عادل؛ فالمنطق يستطيع أن يفسّر المصالح، ويوازن التكاليف، ويحسب النتائج، لكنه لا يمنح الإنسان كرامته من تلقاء نفسه. وما لم تضبطه مرجعية أخلاقية تجعل الحياة الإنسانية غايةً لا وسيلة، فقد يتحوّل إلى أداة لتبرير الظلم بدلًا من مقاومته.
الإشكالية ليست في المنطق ذاته، بل في تحويله إلى مرجعية نهائية لا تعلو عليها قيمة، وفي إخضاع الأخلاق لحسابات المنفعة والمصلحة. فحين تصبح العدالة تابعةً للمصلحة، والإنسان تابعًا للسوق، والضمير تابعًا للسياسة، يفقد المنطق قدرته على التمييز بين ما هو ممكن وما هو واجب.
العالم الذي يطالبنا بالاحتكام إلى المنطق، ثم يعجز عن حماية الإنسان حين تتعارض حياته مع المصالح، يكشف عن أزمة أعمق من التناقض السياسي؛ إنها أزمة في ترتيب القيم ذاتها. فليس كل ما يحقّق المصلحة عادلًا، وليس كل ما يبدو منطقيًا أخلاقيًا، وليس كل ما تسمح به الحسابات الاقتصادية يمكن تبريره إنسانيًا.
فالمنطق الذي لا تحكمه الأخلاق قد ينجح في إدارة العالم، لكنه قد يفشل في إنقاذ الإنسان.