عظمة الأوطان تحسب بما تقدمه لمواطنيها عندما تضيق بهم الظروف وتنقطع أمامهم السبل ويجدون أنفسهم بعيدين عن ديارهم في مواجهة المجهول وحينها لا يبحث المواطن عن كلمات تطمئنه بقدر ما يبحث عن وطن يشعره بأنه حاضر معه مهما ابتعدت المسافات وأن خلفه قيادة لا تغفل عن سلامته ودولة لا تتخلى عن مسؤوليتها تجاهه.

هذا المشهد الوطني تجسد في تحركات سفارات خادم الحرمين الشريفين وبعثات المملكة الدبلوماسية في عدد من دول العالم عقب تعطل رحلات جوية متجهة إلى المملكة بسبب الأحداث التي شهدها مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار ابها حيث سارعت وزارة الخارجية إلى دعوة المواطنين المتأثرين للتواصل مع بعثات المملكة للحصول على المساعدة والإرشادات اللازمة في استجابة تعكس حضور مؤسسات الدولة عند الأزمات وحرصها على متابعة أوضاع أبنائها خارج حدود الوطن.

ولم يكن هذا الاهتمام بعيداً عن النهج الذي أرساه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظهما الله في جعل الإنسان السعودي محور الاهتمام والرعاية وتأكيد مسؤولية أجهزة الدولة تجاه المواطن في الداخل والخارج، فالمواطن في منظور القيادة ليس مجرد حامل لجواز سفر سعودي، وإنما إنسان ترتبط سلامته وكرامته وحقوقه بمسؤولية وطنية لا تنتهي عند الحدود الجغرافية للمملكة.


ما يستحق التوقف عنده أن السفارات السعودية لم تكتف بالدور الدبلوماسي التقليدي المتمثل في تمثيل المملكة وتعزيز علاقاتها الدولية وإنما برز دورها الإنساني والخدمي في التعامل مع تداعيات الأزمة حيث أعلنت بعثات المملكة في دول العالم استعدادها لاستقبال اتصالات المواطنين المتضررين وتقديم المساعدة والإرشاد لهم فيما أعلنت سفارة المملكة في دول الخليج وبعض الدول العربية تخصيص حافلات لنقل المواطنين الذين ألغيت حجوزاتهم الجوية إلى الرياض في صورة عملية تؤكد أهمية تحول الاستجابة من البيانات إلى الإجراءات التي تخفف معاناة المواطنين.

القيمة الحقيقية لهذه التحركات لا تقتصر على تقديم الخدمات القنصلية وإنما تمتد إلى بناء الثقة وتعزيز الشعور بالأمان والانتماء فالمواطن الذي تتعطل رحلته في بلد أجنبي ويجد سفارة وطنه تستجيب لاتصاله وتتابع احتياجاته يدرك أن الانتماء الوطني ليس مجرد مشاعر تردد في المناسبات وإنما علاقة متبادلة بين المواطن ودولته تقوم على الثقة والمسؤولية والرعاية.

الرسالة الأبلغ في هذا المشهد أن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على مواجهة الأزمات فحسب، وإنما في قدرتها على حماية الإنسان من تداعياتها فتعطل الطائرات قد يكون نتيجة ظروف خارجة عن الإرادة لكن متابعة أوضاع المسافرين والتواصل معهم وتوفير الإرشاد اللازم والتنسيق لمعالجة احتياجاتهم هي مسؤوليات تستطيع المؤسسات الوطنية القيام بها وفق اختصاصاتها وإمكاناتها وهو ما يمنح العمل الدبلوماسي بعداً إنسانياً يتجاوز المراسم والبروتوكولات الرسمية.

المواطن السعودي حين يسافر إلى أي دولة في العالم يحمل معه اعتزازه بوطنه وثقته بقيادته ويزداد هذا الاعتزاز عندما يرى علم المملكة مرفوعاً فوق سفارتها ويجد أبوابها مفتوحة لاستقبال احتياجاته فالسفارة ليست مجرد مبنى إداري ولا عنوان لممارسة الدبلوماسية وإنما بيت للوطن خارج حدوده وامتداد لحضوره ومسؤوليته تجاه أبنائه.

ولأن الوفاء يستحق الوفاء فإن من الواجب أن نشيد بجهود وزارة الخارجية وسفرائنا وقناصلنا وجميع العاملين في بعثات المملكة الذين يتعاملون مع هذه الظروف بروح المسؤولية الوطنية وأن نقدر ما يقدمونه من وقت وجهد في سبيل خدمة المواطنين والتخفيف من معاناتهم، فهذه الجهود تعزز الصورة المشرقة للدبلوماسية السعودية، وتؤكد أن خدمة المواطن مسؤولية تتقدم على الاعتبارات الإدارية والروتين الوظيفي.