في زمنٍ يركض فيه الإنسان خلف كل شيء، ثم يكتشف في نهاية النهار أنه نسي نفسه، يأتي الاستغفار كنافذة هادئة في جدار الضجيج. كلمة قصيرة، لكنها تحمل في داخلها اعترافًا شجاعًا بأن الإنسان يخطئ، وأن الله وحده هو الغفور الرحيم، وأن العودة إليه ليست هزيمة، بل أكرم انتصار يمكن أن يحققه قلب أثقلته الحياة.

الاستغفار ليس حركة لسان تؤدى على عجل، ولا عبارة تُقال لتجميل صورة الإنسان أمام نفسه، بل هو رجوع صادق إلى الله، وتطهير للنية، وتصحيح للطريق، وعزم على ترك ما يفسد القلب ويؤذي الناس. إنه إعلان توحيد خالص: لا ملجأ من الذنب إلا إلى الله، ولا نجاة من اليأس إلا برحمته، ولا قوة على الإصلاح إلا بعونه.

قصّ الله علينا قصة نوح عليه السلام، حين خاطب قومه بعد طول عناد، فقال: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ۝ يرسل السماء عليكم مدرارا ۝ ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ [نوح: 10-12].


في هذه الآيات مشهد إيماني عظيم؛ قومٌ أرهقهم الجفاف، فجاءهم العلاج من باب لم يتوقعوه. لم يقل لهم نوح عليه السلام: اجمعوا المال أولًا، أو طاردوا الدنيا حتى تنحني لكم، بل دلّهم على إصلاح الصلة بالله، لأن القلب إذا استقام، استقامت معه نظرة الإنسان إلى الحياة، وصار سعيه أكثر صدقًا، وصبره أوسع، وعمله أنفع.

الاستغفار لا يلغي العمل، ولا يعفي الإنسان من المسؤولية. فالمؤمن يستغفر الله، ثم ينهض ليؤدي واجبه، ويطلب رزقه بالحلال، ويعالج مرضه، ويصلح خطأه، ويعتذر لمن ظلمه، ويأخذ بالأسباب دون أن يعبد الأسباب. يعرف أن الرزق بيد الله، وأن الشفاء من الله، وأن الحفظ من الله، وأن كل نعمة لا تستقيم إلا بحمده وتوحيده.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة» رواه مسلم. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أطهر الخلق قلبًا وأعظمهم مقامًا، يكثر من التوبة والاستغفار، فكيف بنا ونحن نجرّ خلفنا أخطاءنا، ونخفي تعبنا خلف ابتسامات مصطنعة، ونخوض معارك يومية لا يعلم ثقلها إلا الله؟

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «لو نزلت صاعقة من السماء ما أصابت مستغفرًا». وليس المقصود أن الاستغفار تعويذة تُعطّل سنن الحياة، بل أن العبد إذا صدق في رجوعه إلى الله، أحاطته رحمته، وفتح له من أبواب النجاة ما لا يراه قبل أن يطرقها. وقد يكون حفظ الله له في صرف بلاء، أو إلهام قرار، أو إيقاظ ضمير، أو إنقاذه من طريق ظنه في بدايته طريقًا إلى المجد.

في عصرنا، حيث تُقاس قيمة الإنسان بعدد المتابعين، وحيث يظن بعض الناس أن السعادة تُشترى كما تُشترى الأجهزة والملابس، يجيء الاستغفار ساخرًا من هذا الوهم كله. إنه يقول للإنسان: لستَ ما تملك، ولا ما يصفق له الآخرون، ولا ما يظهر في صورتك اللامعة؛ أنت عبد لله، وقيمتك في صدقك، ورجوعك، ورحمة قلبك، ونفعك لمن حولك.

يُروى أن رجلًا جاء إلى أحد العلماء يشكو قلة المطر، وآخر يشكو الفقر، وثالث يشكو تأخر الذرية، فكان جوابه لكل واحد منهم: «استغفر الله». فتعجب الحاضرون، فقال لهم: أما قرأتم قول نوح عليه السلام: ﴿استغفروا ربكم إنّه كان غفارا﴾؟ لم يكن العالم يبيعهم وعدًا سريعًا، بل كان يردّهم إلى أصل عظيم: أصلحوا ما بينكم وبين الله، ثم امضوا في الحياة عاملين صابرين، فالله أعلم بما يصلحكم، وأرحم بكم من أنفسكم.

أكثروا من الاستغفار في الصباح والمساء، في الرخاء والشدة، بعد الخطأ وبعد الطاعة، وقولوا بقلوب حاضرة: أستغفر الله وأتوب إليه. قولوا ذلك وأنتم تعزمون على الإصلاح، وتردون الحقوق، وتكفون الأذى، وتفتحون أبواب الخير. فالله غفّار لمن رجع، رحيم بمن أقبل، لطيف بمن انكسر بين يديه، ولا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.