حصن أصبح عاصمة للملوك
بدأت حكاية تعز بحصن أقيم أسفل جبل صبر في عهد الدولة الصليحية خلال القرن الحادي عشر الميلادي. وما كان موقعًا عسكريًا فوق مرتفع جبلي، أخذت تنمو حوله المساكن والأسواق، حتى تحول إلى مدينة أصبحت لاحقًا عاصمة لحكم اليمن. ومع وصول الأيوبيين، اتسعت تعز، قبل أن تبلغ أوج ازدهارها في عهد الدولة الرسولية، التي امتلأت المدينة خلال حكمها بالقصور والمدارس والمساجد.
واكتسب حصنها وصف «سرير الملك وحصن الملوك»، الذي أورده المؤرخ جمال الدين يوسف ابن المجاور، فيما عرف أيضًا باسم «تل الذهب». وتذكر الباحثة نهى صادق، في دراسة نشرتها مجلة الفيصل عام 2019، أن ضرائب عدن كانت تُنقل إلى خزائن القلعة أربع مرات سنويًا، حتى شاع القول «تعز كرسي اليمن، وخراجها من عدن».
وامتد ازدهار تعز إلى التعليم، فقد أسهمت نساء الأسرة الرسولية في إنشاء المدارس ورعاية العلم، ومنهن «الدار الشمسي»، التي ارتبط اسمها بتأسيس مدرسة في المدينة، وفق دراسة تاريخية عن الأوقاف العلمية للمرأة الرسولية.
مقاومة سبقت الجمهورية
بعد انتهاء الحكم العثماني في اليمن عام 1918، سعى الإمام يحيى حميد الدين إلى توسيع سلطته على مناطق تعز، لكنه واجه مقاومة محلية في أجزاء من المحافظة.
وفي عام 1921، دارت معارك عنيفة في منطقة المقاطرة، انتهت بسيطرة قوات الإمام عليها. وأورد مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، في تقرير نشره خلال أكتوبر 2026، روايات تاريخية عن سقوط قتلى وأسرى من أبناء المنطقة، والتنكيل ببعضهم عقب المواجهات.
وسبقت تلك الأحداث قيام الجمهورية بأكثر من أربعة عقود، لتكشف أن معارضة الحكم الإمامي في أجزاء من تعز لم تبدأ مع ثورة سبتمبر 1962، وإن اختلفت دوافع المقاومة المحلية آنذاك عن الحركة الجمهورية اللاحقة.
انقلاب يهز عرش الإمام
مضت سنوات على مواجهات المقاطرة، قبل أن تعود تعز مقرًا للحكم الملكي عام 1948، عندما اختارها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين لإدارة المملكة المتوكلية اليمنية، عقب مقتل والده خلال ثورة الدستور.
لكن القصر الذي اتخذه الإمام مركزًا لسلطته تحول بعد سبع سنوات إلى موقع لحصاره. ففي عام 1955، قاد الضابط أحمد الثلايا تحركًا عسكريًا حاصر خلاله قصر الإمام، وطالبه بالتنازل عن الحكم لمصلحة شقيقه عبدالله. غير أن أحمد تمكن من استعادة السيطرة، وفشلت المحاولة، وانتهت بإعدام الثلايا.
وبعد سبع سنوات أخرى، توفي الإمام أحمد، وأطاحت ثورة 26 سبتمبر 1962 بالحكم الإمامي وأعلنت الجمهورية. وهكذا أصبحت المدينة التي اختارها الإمام مقرًا لحكمه إحدى الحواضن المهمة للحركة الجمهورية المناهضة لذلك الحكم.
المدينة التي احتضنت المقاومة
اكتسبت تعز خلال ستينات القرن الماضي دورًا تجاوز حدودها؛ فقد نشط فيها الجمهوريون من شمال اليمن والناشطون المناهضون للاستعمار البريطاني في الجنوب، لتصبح مركزًا للحركة الوطنية والتواصل السياسي والثقافي بين شطري البلاد.
وامتد حضورها إلى التعليم والأدب والفنون، إذ برز من أبنائها شعراء ومثقفون، بينهم عبدالله عبدالوهاب نعمان، المعروف بالفضول، الذي كتب كلمات النشيد الوطني اليمني، والفنان أيوب طارش الذي لحّنه وغنّاه.
وبعد عقود، عاد اسم تعز إلى واجهة الاحتجاجات عام 2011، عندما أصبح ميدان الحرية أحد أبرز مراكز الانتفاضة ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، واكتسبت المدينة وصف «عاصمة الثورة».
لكن المواجهة السياسية تحولت إلى حرب بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، واندلاع القتال في تعز عام 2015، لتصبح المدينة التي احتضنت الاحتجاجات إحدى أبرز جبهات القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في مواجهة الميليشيا الحوثية الإرهابية.
معركة على طرق تعز
عادت المرتفعات والممرات المحيطة بتعز إلى قلب المعارك، فيما أصبحت الطرق الرابطة بينها وبين عدن ولحج والساحل الغربي أهدافًا للهجمات الحوثية الرامية إلى الضغط على القوات الحكومية وتهديد إمداداتها.
وأوضحت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 16 أكتوبر 2026، أن التقدم الحوثي جنوب جبل صبر هدد طرق الإمداد التي تربط تعز بعدن، فيما استمرت القوات الحكومية في الاحتفاظ بمركز المدينة.
وفي 30 أكتوبر، أعلن محور تعز العسكري مقتل وإصابة 38 عنصرًا من الميليشيا الحوثية الإرهابية، بينهم قيادي، خلال مواجهات وغارات في الجبهات الجنوبية والغربية للمحافظة.
وامتدت آثار المواجهات إلى السكان؛ إذ وثقت منظمة «صحفيات بلا قيود»، في تقرير أصدرته في 22 أكتوبر، مقتل 60 مدنيًا وإصابة 138 آخرين خلال الفترة من مطلع سبتمبر حتى 20 أكتوبر، في وقائع نسبت المنظمة مسؤوليتها إلى الحوثيين.