التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، لكنه يكشف عن تشابه مدهش في عقليات الطغاة، خصوصًا أولئك الذين يتوهمون أن امتلاك القوة يمنحهم الحق في إخضاع الشعوب، وأن تهديد المقدسات وإرهاب الآمنين طريق إلى المجد. وبين أبرهة الحبشي الذي سار بجيشه نحو مكة في القرن السادس الميلادي، وأبرهة «الزنبيل» الذي يطل علينا اليوم من جبال اليمن، تمتد قرون طويلة من الزمن، فيما تظل عقلية الاستعلاء واحدة، وإن اختلفت الرايات وتغيرت أدوات العدوان.

دخل أبرهة التاريخ من أوسع أبواب الغرور، حين ظن أن بإمكانه تحويل وجهة العرب عن الكعبة، وأن بناء صرح عظيم في صنعاء كفيل بإعادة تشكيل وجدان الجزيرة العربية ومعتقداتها. وحين أخفقت مساعيه، اختار القوة وسيلة لتحقيق ما عجز عنه بالإقناع، فسار بجيشه وفيله نحو مكة، معتقدًا أن التفوق العسكري قادر على إخضاع ما استقر في نفوس الناس من إيمان وانتماء.

اليوم، يخرج من اليمن أبرهة آخر، يرتدي ثوبًا مختلفًا، يرفع شعارات دينية، ويستعير من التاريخ مفردات القداسة، فيما تمارس جماعته من الأفعال ما يناقض أبسط معاني الدين والكرامة الإنسانية. إنه أبرهة الزنبيل، الذي يرى في السلالة مصدرًا للسيادة، وفي الانتماء العائلي سندًا للحكم، وفي الشعب اليمني رعية خُلقت للطاعة والخضوع.


المفارقة أن أبرهة الحبشي جاء إلى اليمن من خارجها، بينما خرج أبرهة الزنبيل من داخلها، ليعيد إنتاج الاستعلاء على أهلها، يصادر قرارهم، ويختزل تاريخهم العريق في مشروع سلالي ضيق. عرف اليمنيون الحضارة والدولة والتجارة قبل أن تظهر هذه الجماعة بقرون طويلة، وكانت صنعاء ومأرب وعدن وتعز شواهد على تاريخ أوسع من أن تختصره جماعة مسلحة أو عائلة تدعي امتلاك الحق الإلهي في الحكم.

ولعل أخطر ما يجمع بين الأبرهتين هو الاعتقاد بأن القوة تصنع الشرعية. فأبرهة الأمس امتلك جيشًا وفيلًا، وأبرهة اليوم يمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وكلاهما يتعامل مع أدوات الحرب بوصفها شهادة على عظمة المشروع الذي يحمله. غير أن التاريخ يعلمنا أن امتلاك السلاح لا يمنح صاحبه مشروعية أخلاقية، وأن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على بناء دولة، وأن إخافة الناس ليست دليلًا على احترامهم.

دفع اليمن ثمنًا فادحًا لهذا الوهم. فبلد الحضارات القديمة أصبح مسرحًا لحروب أنهكت اقتصاده، ومزقت نسيجه الاجتماعي، ودفعت الملايين من أبنائه إلى الفقر والنزوح. بينما يحتاجون إلى المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل، تنشغل الجماعة بتوسيع ترسانتها العسكرية، وتقديم الحروب المتعاقبة باعتبارها انتصارات تستحق الاحتفال.

أما السعودية، التي تمثل في وجدان المسلمين موطن الحرمين الشريفين وقبلتهم، فقد ظلت هدفًا لخطاب عدائي يحاول استدعاء التاريخ الديني لتبرير خصومات سياسية معاصرة. وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إثارة للسخرية؛ إذ يرفع أبرهة الزنبيل شعارات الدفاع عن الإسلام، بينما يجعل من تهديد أرض الحرمين واستهداف أمنها وسيلة لإثبات حضوره السياسي والعسكري.

وليس من قبيل المصادفة أن تستدعي هذه الممارسات قصة أصحاب الفيل في الذاكرة العربية. فهي في جوهرها ليست حكاية جيش انهزم فحسب، وإنما درس في حدود القوة حين يتحول الغرور إلى عقيدة، ويعتقد صاحب السلاح أن بوسعه فرض إرادته على الجغرافيا والتاريخ والعقيدة.

مع ذلك، فالفارق الجوهري بين الأمس واليوم أن اليمنيين أنفسهم هم أول ضحايا أبرهة الجديد. فقد سعى أبرهة الحبشي إلى إخضاع مكة، أما أبرهة الزنبيل فبدأ بإخضاع صنعاء، ثم أراد أن يجعل من اليمن منصة لتهديد جواره، وورقة في صراعات إقليمية تتجاوز مصالح الشعب اليمني وتطلعاته.

المأساة الحقيقية ليست في ظهور طاغية جديد، فالتاريخ الإنساني حافل بالطغاة، وإنما في قدرة بعضهم على إقناع أتباعهم بأن الموت في سبيل مشروعهم السلالي انتصار، وأن الفقر تضحية، وأن العزلة صمود، وأن الخراب ثمن طبيعي لما يسمونه العزة والكرامة.

آن الأوان لطرح السؤال الذي تتجنبه الجماعة: ماذا قدم «الزنابيل» لليمن غير المقابر والخنادق والشعارات؟ وأي مستقبل ينتظر طفلًا يمنيًا يُطلب منه أن يحمل السلاح قبل أن يحمل حقيبته المدرسية؟ وأي سيادة وطنية تلك التي تجعل قرار الحرب والسلم مرتبطًا بحسابات قوى خارج الحدود؟

اليمن أكبر من الحوثي، وأعرق من مشروعه، وأبقى من شعاراته. والشعب الذي صنع حضارات سبأ وحمير، وترك بصماته في تاريخ الجزيرة العربية، لا يمكن اختزاله في فكرة الولاية السلالية أو إخضاع مستقبله لأوهام التفوق الوراثي.

انتهت حملة أبرهة الحبشي، وبقيت الكعبة، وفني جيشه، وبقيت مكة. أما أبرهة الزنبيل، فسيكتشف عاجلًا أو آجلًا أن الصواريخ لا تصنع حضارة، وأن السلالات لا تملك الشعوب، وأن الدول لا تقوم على الخوف إلى الأبد.

بين أبرهة الأمس وأبرهة اليوم، يبقى الدرس الذي لا يتغير: يستطيع الطغاة أن يكتبوا فصولًا دامية من التاريخ، لكنهم لا يستطيعون امتلاك نهايته.