لقد فتحت الدراسة أمامنا مسارًا يصل طلب المعنى بالعزلة وقلق الفناء، ويتتبع ما صنعه جهيمان من هذه المواجهات في وعيه المهدوي، وتكتسب هذه القراءة قيمة إضافية حين تنتقل إلى أثره خارج حياته، وإلى الظروف التي سمحت لأفكاره بأن تتردد في المجتمع، فالتاريخ يضم حياة الأشخاص، ويضم أيضًا حياة ما يتركونه؛ وقد تسلك الأفكار بعد أصحابها طرقًا تمنحها معاني ووظائف تتصل بمن يتلقاها وبالزمن الذي يستقبلها.
في تناولها مفهوم «التموج»، تشرح لطيفة الشعلان كيف يمكن للأثر أن يتجاوز صاحبه وينتقل إلى فضاء اجتماعي أرحب، وتلفت إلى أن هذا المفهوم، بوصفه أداة تحليلية، يتشكل بحسب طبيعة القيم التي يحملها، ثم تقرأ من خلاله امتداد الأثر الجهيماني، وتصل ذلك بالمناخ العام والبنى المؤسسية واللحظة التاريخية التي أعادت إنتاج فاعليته، وفي هذا الوصل ما يمنحنا فهمًا أدق للعلاقة بين الفرد والوسط الذي يوسع نطاق أثره.
وأرى أهمية خاصة في عناية المؤلفة بالبيئة الحاضنة، فالسؤال عن بقاء فكرة يقود إلى سؤال عن موارد استمرارها: من يتلقاها؟ وما الذي يجعلها مقنعةً له؟ وأين تجد لغةً تعبر بها عن نفسها، وعلاقاتٍ تحملها، ومساحةً تمنحها الحضور؟ هذه أسئلة أستخلصها من القراءة، وتبدو لي ضرورية لفهم تحولات الأفكار، وما يبقى منها حين تتغير الأسماء والصيغ والظروف.
ومن هنا تتضح قيمة التمييز بين انتهاء الواقعة وتراجع إمكان تكرار آلياتها، فالمعرفة الوقائية تتطلب فهم الكيفية التي تلتقي بها حاجة الفرد إلى اليقين مع جماعة تمنحه الانتماء، وتأويل يمنحه شعورًا بالاصطفاء، وظرف اجتماعي يتيح لهذا البناء أن يكتسب السلطة، وبقدر ما نستطيع تفكيك هذه العلاقات وفهم شروطها، تصبح أسئلتنا عن الوقاية أقرب إلى مواضع التأثير الفعلي في حياة الناس.
ويمنح ملحق الكتاب هذا الأفق صلةً بالذاكرة الثقافية السعودية؛ إذ يجمع ثلاثة وخمسين استشهادًا من كتابات سعودية منشورة بين عامي 2003 و2025، حول الصحوة وامتدادات تأثير جهيمان، وتوضح المؤلفة أنها اختارتها مما أتيح رقميًا، فتقدمها بوصفها شذرات من السجال المحلي، وتتيح هذه المختارات ملاحظة استمرار السؤال في وعينا، وتعدد المداخل التي حاول بها الكتاب فهم مرحلة عايشوها أو تأملوا آثارها.
ولهذه الذاكرة قيمة ينبغي أن تصحب العمل البحثي، فما اختبره الناس في تفاصيل حياتهم يساعد على صياغة الأسئلة، والوثائق تعين على ضبط الوقائع، والمناهج المتخصصة تكشف العلاقات وتختبر التفسيرات، وحين تتصل هذه المستويات، تصبح كتابة تاريخ الصحوة عملًا تتكامل فيه الخبرة والمعرفة، ويجد فيه القارئ طريقًا لفهم أثر الأفكار في اختياراته وعلاقاته وصورته عن الحياة.
وقد أحسنت لطيفة الشعلان، في تقديري، خدمة هذا الأفق بإدخال أدوات اختصاصها إلى موضوع يمس تاريخ مجتمعها، وتكشف دراستها مقدار ما يمكن أن تضيفه المعرفة النفسية حين تتصل بالمادة التاريخية وتراعي خصوصيتها، ومن شأن استكمال هذا المسار بدراسات اجتماعية أن يوسع فهمنا للوسائط التي انتقلت عبرها الأفكار، ولأشكال السلطة التي اكتسبتها، وللعلاقات التي جعلت الفرد يجد في الجماعة معنىً وحمايةً وموقعًا.
والقيمة الوطنية لهذا الجهد تتصل بقدرتنا على معرفة أنفسنا معرفةً تتسع للتفاصيل والفروق، فحماية المجتمع تستفيد من فهم أسباب الانجذاب إلى الانغلاق، وشروط التحرر منه، وما يعين الإنسان على الاحتفاظ بإرادته وقدرته على السؤال داخل علاقاته وانتماءاته، ويمكن لهذه المعرفة أن تمد التعليم والثقافة والعمل الوقائي بأسئلة أدق، وأن تفتح مجالًا لدراسات تطبيقية تختبر ما يصلح من استجابات، وبذلك تتصل العناية بتاريخنا بمسؤوليتنا عن الحياة التي نريدها لأبنائنا.
وأمنيتي أن تواصل الدكتورة لطيفة الشعلان هذا الجهد بدراسة نفسية شاملة للصحوة، تصل أفكارها بتجارب أصحابها، وتكشف طرائق تشكل الوعي داخلها، وما صنعته في علاقة الإنسان بنفسه ومجتمعه والحياة، وأن يواكب ذلك عمل سوسيولوجي يدرس بيئاتها وشبكاتها ومؤسساتها، ومسالك انتشارها واكتسابها التأثير والسلطة الاجتماعية، ولعل هذه الأمنية تجد سبيلها إلى التحقق بتضافر جهود الباحثين في تاريخ الصحوة، تحت مظلة رسمية أو أكاديمية تحتضن مشروعًا بحثيًا شاملًا، يجمع ما تفرق من الوثائق والشهادات والخبرات، ويهيئ للعمل المشترك بين التخصصات، مع صون استقلال الباحثين وتعدد أسئلتهم ومقارباتهم، فتتكامل دراسة النفس والمجتمع مع البحث التاريخي والشرعي والسياسي، وتتصل معرفة الأفكار بفهم البيئات التي احتضنتها، والظروف التي منحتها سلطانها على الناس، ويثمر هذا التعاون معرفةً تراكمية تحفظ ذاكرة التجربة، وتفسر مساراتها وتحولاتها، وتعين على بناء وعي يحمي الأجيال من تجدد أسبابها وتكرار مآسيها.
إن تكامل هذين الحقلين مع الحقل الشرعي، وما تراكم في سائر الحقول من دراسات، يمكن أن يمنحنا معرفةً أعمق بأسباب نشوء الظاهرة واستمرارها وتحولاتها، وأن يسهم -بإذن الله- في تحصين مجتمعنا من تجدد الغلو والتطرف، ولكل حقل سؤاله الذي يغني أسئلة الآخرين ويثريها؛ وفي هذا التعاون تتسع قدرتنا على رؤية الإنسان في تفاعله مع النص والجماعة والمؤسسة والزمان.
بهذه الأمنية أختم جولتنا في «الغريب»، ممتنًا للدكتورة لطيفة الشعلان على عمل منحنا أسبابًا للاحتفاء، وفتح أمامنا مسالك لمواصلة البحث، ولعل أجمل ما يثمره كتاب جدير بالاحتفاء أن يوقظ فينا الحاجة إلى كتب أخرى، وأن يفتح للمعرفة سواقيَ تمتد إلى ما بقي من أرض الأسئلة؛ فكلما اتسع فهمنا لما مضى، ازدادت قدرتنا على صون ما يأتي.