مع اقتراب انتشار استخدام الإنترنت في المملكة من الشمول الكامل، لم يعد التحدي الاقتصادي مرتبطًا بتوسيع الوصول إلى الشبكة بقدر ما يرتبط بتحويل هذا الانتشار إلى قيمة مضافة في الاقتصاد، عبر رفع إنتاجية المنشآت، وتوسيع الأسواق، وزيادة المبيعات، وخلق فرص عمل وأنشطة تجارية جديدة.

وأظهرت نتائج مسح نفاذ واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات للأسر والأفراد لعام 2026، الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، وصول نسبة مستخدمي الإنترنت بين الأفراد من عمر 15 إلى 74 سنة إلى 99.6 %، فيما بلغت نسبة استخدام الهاتف المتنقل للوصول إلى الإنترنت 98.4 %، بما يعكس اتساع قاعدة المستهلكين القادرين على الوصول إلى الخدمات والأسواق الرقمية.

سوق إلكترونية واسعة


وتكشف المؤشرات عن اتساع قاعدة التجارة الإلكترونية، إذ بلغت نسبة السعوديين الذين يشترون السلع والخدمات عبر الإنترنت 84.9 %، مقابل 74.5 % من إجمالي مستخدمي الإنترنت، فيما سجلت السعوديات 86.8 % مقابل 83.1 % للسعوديين، بفارق 3.7 نقاط مئوية لصالح النساء.

وتصدرت الملابس والأحذية والسلع الرياضية والمنزلية قائمة المشتريات الإلكترونية بنسبة 85.2 %، تلتها الأغذية والمواد التموينية بنسبة 54.4 %، ما يعكس تنامي حضور المنصات الرقمية في أنماط الاستهلاك اليومي.

غير أن ارتفاع نسبة المتسوقين لا يكشف بمفرده حجم الإنفاق الإلكتروني أو مساهمة التجارة الرقمية في إيرادات المنشآت، كما لا يوضح نسبة المبيعات التي تحولت من المتاجر التقليدية إلى القنوات الإلكترونية، وهو ما يجعل قياس القيمة الفعلية للتجارة الرقمية بحاجة إلى مؤشرات تتجاوز عدد المشترين.

فجوة بين الاستخدام والإنتاج

وأوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية المهنية للإحصائيين وعلماء البيانات، الدكتور فيصل الشرعبي، أن ارتفاع معدلات النفاذ إلى الإنترنت لا يعني بالضرورة اختفاء الفجوة الرقمية، إذ قد يتساوى الأفراد في الوصول إلى التقنية، بينما تتفاوت مهاراتهم وقدرتهم على توظيفها في التعليم والعمل والإنتاج.

وأشار إلى أهمية الانتقال إلى مؤشرات تقيس جودة الاستخدام، والمهارات الرقمية، والأمن المعلوماتي، ومدى توظيف التقنية في الأنشطة الاقتصادية، مع رصد الفوارق بين الفئات العمرية ومستويات الدخل والتعليم والمناطق.

المنشآت أمام اختبار التحول

وتبرز القيمة الاقتصادية للتحول الرقمي بصورة أكبر عند انتقال التقنية من الاستخدام الشخصي إلى العمليات الإنتاجية والتشغيلية للمنشآت، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، من خلال أتمتة الإجراءات، وإدارة المخزون والمبيعات، وتحليل بيانات العملاء، والوصول إلى أسواق جديدة، وخفض تكاليف التشغيل.

وبين الشرعبي أن الأثر الاقتصادي الحقيقي للتقنية يظهر في قدرتها على رفع كفاءة المنشآت، وتوسيع فرصها التجارية، وتقليص زمن إنجاز الخدمات، إلى جانب تعزيز الاستفادة من الخدمات المالية الرقمية، وليس في مجرد امتلاك الأجهزة أو استخدام المنصات.

الخدمات الرقمية.. كفاءة اقتصاديةوفي جانب الخدمات الحكومية، بلغت نسبة الأفراد الذين ينفذون خدمات حكومية عبر الإنترنت 98.4 %، فيما وصلت النسبة لدى السعوديين إلى 98.6 %، بما يعكس اتساع الاعتماد على القنوات الرقمية في إنجاز المعاملات.

ويتيح هذا التحول فرصًا لخفض تكاليف الإجراءات والوقت اللازم للحصول على الخدمات، إلا أن قياس عائده الاقتصادي يتطلب متابعة أثره في تقليص زمن المعاملة وتكاليفها، ورفع كفاءة الخدمات، وتحسين تجربة المستفيد.

من الانتشار إلى العائد

وفي المقابل، بلغت المشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي 99.7 % من مستخدمي الإنترنت، ما يعكس اتساع الحضور الرقمي للأفراد، لكنه لا يمثل بحد ذاته مؤشرًا على الإنتاجية أو العائد الاقتصادي.

وأكد الشرعبي أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير مؤشرات تقيس الأثر الفعلي للتقنية في الإنتاج والدخل وكفاءة الأعمال، إلى جانب جودة الاستخدام والأمن الرقمي، مشددًا على أن نجاح الاقتصاد الرقمي لا يقاس بعدد المتصلين بالشبكة، وإنما بمدى مساهمة التقنية في خلق قيمة اقتصادية وتحسين كفاءة الأنشطة الإنتاجية.