اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - خلال فترة توليه إمارة منطقة الرياض، نهجًا إداريًا اتسم بالتيسير على المراجعين، فكان يحرص على الحضور المبكر واستقبال أصحاب الحاجات، كما فوّض وكلاءه ومساعديه باستقبال المراجعين والنظر في طلباتهم. وكان من مظاهر ذلك أن يُشرح للمراجع على استدعائه بطلب الإفادة، ويُوجَّه إلى الجهة المعنية لاستكمالها، مراعاةً لظروفه، فقد يكون قادمًا من خارج الرياض، أو كبيرًا في السن، أو صاحب مصلحة لا يحتمل تأخيرها.

ولأنني معاصر وشاهد على ذلك إبان عملي في مرور الرياض، أشير إليه.

كان في ذلك النهج إدراك لأهمية وقت المواطن، وحرص على اختصار الإجراءات وتجنب المشقة غير الضرورية. وأحسب أن روح هذا النهج ما زالت حاضرة في العمل الإداري بإمارة الرياض، و الاستفادة منها اليوم أصبحت أكثر سهولة في ظل التحول الرقمي ،وحيوية وسائل التواصل بين الجهات الحكومية.


فإذا كان استقبال الشكوى وإحالتها إلى الجهة المختصة إجراءً تنظيميًا مهمًا، فتأخير إحالتها أو إرسالها بالبريد بعد أيام، في وقت أصبح فيه التواصل الرقمي متاحًا، قد يؤدي إلى إهدار الوقت والمال وتعطيل المصالح، بل وربما إلى تفاقم الخلافات وتطورها إلى نزاعات كان بالإمكان احتواؤها مبكرًا.

ما دعاني إلى طرح هذا الموضوع ما نقله إليّ أحد الإخوة ، تقدم بشكوى تتعلق بإخلال مستأجر بالتزامات العقد بينهما، ورفضه السماح له - كنوع من المكايدة - بإجراء أعمال صيانة ضرورية في الممرات والسلالم ومخارج الطوارئ، رغم وجود تقرير من مكتب هندسي معتمد، ومراسلات موثقة، ونص في العقد الرقمي يجيز للمالك إجراء تلك الأعمال.

استغرقت متابعة الشكوى أكثر من أسبوع، رغم إرفاق المستندات والوثائق المؤيدة لها لتحال بطلب الإفادة، في حين كان من الممكن إحالتها رقميًا إلى الجهة المعنية في وقت وجيز. ما أغرى المستأجر بالتجاوز والعبث - بحسب ما وثقه المالك في شكواه - بتوصيلات الماء والكهرباء، مع إتلاف تجهيزات المبنى، لتحميل المالك تبعات ذلك عند تسليم العقار.

ما اضطر المالك إلى تجديد شكواه أكثر من مرة موثقًا ما استجد من أضرار، وكان يتطلع إلى سرعة اتخاذ إجراء يحفظ حقوقه ويمنع استمرار الضرر، بدلًا من انتظار إجراءات قد تطول وتزيد من تعقيد المشكلة.

ليس المقصود من ذكر هذه الواقعة، إصدار حكم على أطراف النزاع، أو التدخل فيما تنظر فيه الجهات القضائية، وإنما الإشارة إلى أهمية سرعة التعامل مع الشكاوى، وتنفيذ بنود العقد فيما يخص التزام الطرفين وتوقيعهما عليه. لا سيما تلك التي تتضمن أضرارًا مستمرة أو تجاوزات قد تتفاقم آثارها مع مرور الوقت.

لذلك فالتحول الرقمي الذي تشهده المملكة ينبغي ألا يقتصر على استقبال الشكاوى وتسجيلها فقط، بل يجب أن يمتد إلى تعجيل إحالتها مع سرعة الرد عليها، والتمييز بين الشكاوى العادية، وتلك التي تستدعي تدخلًا عاجلًا، دون إخلال بالأنظمة أو بحقوق أي طرف.

في استحضار النهج الذي عُرفت به إمارة منطقة الرياض كما ذكرت أعلاه، ما يمثل دافعًا لتطوير الإجراءات واستثمار الإمكانات الرقمية، بحيث لا يطرح السؤال :

هل وصلت الشكوى إلى الجهة المختصة؟ بل: متى وصلت؟ ومتى عولجت؟ وهل اتُّخذ بشأنها ما يمنع تفاقم الضرر؟

فقد تكون سرعة إجراء إداري واحد، سببًا في حفظ حق، وإنهاء خلاف، وتوفير وقت وجهد ومال.

تلك هي الغاية التي ينبغي أن تسعى إليها الإدارة الحديثة حفظًا للحقوق واستقرار المجتمع.