من استهلاك المعلومات إلى صناعة الوعي وحماية التفاهم بين الثقافات، هناك وفرة من المعلومات تكون مسؤولة عن تشكيل وعي شباب المجتمع والناشئة، حيث لم يعد التحدي الذي يواجه الإنسان المعاصر هو العثور على المعلومة، بل معرفة ما إذا كانت تستحق التصديق والممارسة والتطبيق.

ففي عالم تتدفق فيه الأخبار عبر الهواتف والمنصات الرقمية بلا توقف، أصبحت المسافة بين وقوع الحدث وانتشاره تكاد تختفي، بينما تظل المسافة بين انتشار الخبر والتحقق من صحته واسعة بما يكفي لإحداث أضرار يصعب تداركها.

وقد منحت التقنية الإنسان قدرة استثنائية على الاطلاع والتواصل، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حقيقة مهمة، وهي أن وفرة المعلومات لا تصنع بالضرورة وعيًا، وأن سرعة الوصول إلى الأخبار لا تعني القدرة على فهمها أو إدراك أبعادها.


وتظهر هذه المفارقة في مواقف تتكرر يوميًا؛ إذ يتداول الناس خبرًا مثيرًا، ويعيد بعضهم نشره اعتمادًا على ثقتهم بمن أرسله، فيما يستند آخرون إلى صورة أو مقطع قصير يعتقدون أنه يحسم حقيقة الواقعة. وقد لا يفكر كثيرون في البحث عن المصدر الأول، أو معرفة توقيت الحدث، أو التحقق من السياق الذي ظهرت فيه الصورة. وربما يتبين لاحقًا أن المقطع يعود إلى واقعة قديمة، أو أن الصورة التُقطت في بلد مختلف، أو أن جزءًا من الحقيقة استُخدم لتقديم رواية لا تعكس الواقع كاملًا. ومع ذلك، تكون المعلومة قد تجاوزت حدود الشاشة إلى التأثير في العلاقات والمواقف والأحكام.

إن خطورة التضليل الرقمي لا تنحصر في نشر أخبار غير صحيحة، وإنما تمتد إلى الطريقة التي تتشكل بها قناعات الناس، وإلى استعدادهم لبناء مواقف حاسمة على أدلة ناقصة. فالمعلومة المضللة قد تسيء إلى سمعة إنسان، أو تثير نزاعًا بين أفراد، أو تعزز الشك في مؤسسة، أو تدفع المجتمع إلى تبني تصورات غير منصفة عن جماعة أخرى. وحين يكتشف المتلقي خطأ الخبر، قد لا يحرص على تصحيحه بالقدر نفسه الذي حرص به على نشره؛ فتظل آثاره حاضرة، حتى بعد زوال السبب الذي أنشأها.

وتزداد هذه المشكلة تعقيدًا لأن التضليل لا يعتمد دائمًا على اختلاق الأكاذيب بصورة مباشرة. فقد يبدأ من واقعة صحيحة أُخرجت من سياقها، أو تصريح جرى اقتطاعه، أو عنوان يبالغ في دلالة حدث محدود، أو تفسير شخصي قُدّم للجمهور باعتباره حقيقة مؤكدة. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخلل بالضرورة في المادة الأصلية وحدها، بل في الطريقة التي أُعيد بها تشكيلها وتوجيهها نحو نتيجة لا تسندها الأدلة المتاحة.

ولأن الإنسان يتأثر بمشاعره وتجاربه ومواقفه السابقة، فإنه قد يمنح الأخبار التي توافق قناعاته ثقة سريعة، بينما يطالب الأخبار المخالفة بمعايير أشد صرامة. وقد يجد في الرواية التي تؤكد مخاوفه ما يكفي للاقتناع، حتى لو كانت مصادرها ضعيفة، في حين يتجاهل معلومات موثوقة لأنها تدعوه إلى مراجعة موقف اعتاد الدفاع عنه. وهنا يتحول التفكير من البحث عن الحقيقة إلى انتقاء ما يعزز القناعات القائمة، ويصبح الانحياز عائقًا أمام المعرفة بدلًا من أن يكون مجرد اختلاف في وجهات النظر.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها قصورًا خاصًا بالشباب؛ فالتحيز والإشاعة وسوء التقدير رافقت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها.

غير أن البيئة الرقمية غيّرت حجم المشكلة وسرعتها، وجعلت المحتوى القادر على إثارة الغضب أو الخوف أكثر قابلية للانتشار الواسع. كما أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي إنتاج صور وأصوات ومقاطع قد تبدو واقعية بدرجة كبيرة، وهو ما يفرض على المستخدم ألا يكتفي بالمظهر، بل يبحث عن الأدلة التي تثبت صحة المحتوى وسلامة نسبته إلى أصحابه.

ولا يعني ذلك أن يصبح الإنسان أسير الشك، أو أن يفترض زيف كل ما يشاهده، بل أن يتعلم الموازنة بين الثقة والتحقق. فالتفكير النقدي لا يقوم على رفض المعلومات لمجرد احتمال الخطأ، وإنما على تقدير قوة الدليل، وفهم السياق، ومقارنة المصادر، والتمييز بين الحقيقة والاستنتاج. كما يتطلب إدراك أن بعض المسائل تحتاج إلى وقت أطول للفهم، وأن الاعتراف بعدم كفاية المعلومات موقف أكثر مسؤولية من إصدار حكم متسرع.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الشباب بوصفهم شركاء في تشكيل الوعي العام، لا مجرد مستهلكين لما تنتجه المنصات. فكل مشاركة رقمية يمكن أن تكون حلقة في سلسلة انتشار المعلومة، وقد تتحول رسالة بسيطة إلى مادة يتداولها آلاف الأشخاص، دون أن يعرفوا مصدرها أو الظروف التي أحاطت بها. ومن ثم فإن مسؤولية المستخدم لا تبدأ عند كتابة منشور جديد فحسب، بل تبدأ أيضًا حين يقرر إعادة نشر محتوى أنتجه الآخرون، أو التعليق عليه، أو تقديمه للناس بوصفه حقيقة.

ويستطيع الشاب أن يحدث فرقًا حقيقيًا حين يجعل التحقق جزءًا من عاداته اليومية. فقبل نشر خبر مثير، يمكنه الرجوع إلى مصدره الأصلي، ومقارنة ما ورد فيه بما نشرته جهات مستقلة، والتحقق من تاريخ الصورة أو المقطع، وملاحظة ما إذا كان المحتوى يقدم وقائع واضحة أم يعتمد على عبارات انفعالية. كما ينبغي له أن يفرق بين ما تثبته المادة نفسها وبين ما يضيفه ناشرها من تفسير أو اتهام. وقد تبدو هذه الخطوات محدودة، لكنها تمثل انتقالًا مهمًا من التلقي التلقائي إلى المشاركة المسؤولة.

وتظهر قيمة الوعي بصورة أوضح عندما يكتشف الإنسان أنه أخطأ. فليس من السهل على الجميع التراجع عن رأي أعلنوه أمام الآخرين، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بموقف يدافعون عنه أو بصورة يرغبون في المحافظة عليها. ومع ذلك، فإن مراجعة الموقف عند ظهور أدلة جديدة لا تنتقص من قيمة الإنسان، بل تكشف عن قدرته على التحرر من أسر الانطباع الأول. فالوعي ليس ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما الاستعداد المستمر للبحث عنها وتصحيح الأخطاء التي تعترض الطريق إليها.

ومن هنا، ينبغي أن تتحول الثقافة الرقمية إلى ممارسة تربوية واجتماعية، لا أن تبقى مجموعة من النصائح التي تتكرر في المناسبات. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتدريب الطلاب على تحليل المعلومات ومقارنة الروايات وفحص الأدلة، وربط هذه المهارات بالمواقف الواقعية التي يرونها يوميًا. كما أن الأسرة تستطيع تعزيز ثقافة السؤال والحوار، بحيث يتعلم الأبناء أن التثبت ليس تعقيدًا غير ضروري، وأن تغيير الرأي عند ظهور الحقيقة ليس ضعفًا، وأن احترام الآخرين يبدأ من عدم إطلاق الأحكام عليهم قبل معرفة الوقائع.

الشباب والناشئة في وطننا العظيم، الذين يتعلمون التعامل مع المعلومات بهذه الروح يصبحون أكثر قدرة على حماية أنفسهم من التلاعب، وأكثر استقلالًا في تكوين مواقفهم، وأقل استعدادًا للانجراف خلف موجات الغضب الجماعي. لكن مسؤوليتهم لا تنتهي عند حدود حماية أنفسهم؛ إذ إن قدرتهم على إنتاج محتوى واعٍ، وتصحيح الأخبار المضللة، ونشر ثقافة الحوار، تمنحهم فرصة للمساهمة في بناء بيئة رقمية أكثر نضجًا.

ومن هذه النقطة تحديدًا ينتقل أثر الوعي من الفرد إلى المجتمع. فالمعلومة التي نصدقها قد تحدد نظرتنا إلى الآخرين، والحكم الذي نبنيه عليها قد يؤثر في طريقة تعاملنا معهم.

وإذا كانت المعلومات المضللة قادرة على تشكيل صور مشوهة عن الأشخاص والمجتمعات، فإن التحقق منها يصبح ضرورة تتجاوز المعرفة إلى حماية العلاقات الإنسانية. وهنا تتصل مسؤولية الشباب بقضية أوسع: كيف يمكن للوعي الرقمي أن يسهم في الحد من الأحكام المسبقة، وأن يجعل الاختلاف بين الثقافات مجالًا للفهم والتعارف بدلًا من أن يتحول إلى مصدر للنفور والصراع؟

وللحديث بقية في الجزء الثاني من المقال.