محمد السعد

يخلط كثير من المهتمين بالفكر النسوي والحركة النسوية في الإعلام المحلي وفي بعض وسائل التواصل الاجتماعي، بين مصطلحي الحركة النسوية، والحركة النسائية.

والحركة النسائية وما يندرج تحتها من حركة تحرير المرأة، وحقوق المرأة القانونية والاجتماعية، لا يجب وضعها مع الحركة النسوية في سلة واحدة.

إن الحديث عن حقوق المرأة، والعدالة في تحسين وتصحيح أوضاعها، هو حديث ثانوي وجزئي لا معنى له في ظل أفكار الحركة النسوية.

فالنسوية ليست امتدادا لحركات ظهرت في الحضارة الغربية، بهدف انتزاع حق المرأة في التصويت في الانتخابات، أو حقوق المرأة في التعليم والعمل.

فالفكر النسوي ينظر إلى العقل الغربي أصلا على أنه عقل ذكوري، وأن الحضارة الغربية في شتى مناحيها إنجاز ذكوري خالص، يؤكد ويوطّد سلطة الرجل، وتبعية وهامشية المرأة.

إن مصطلح النسوية Feminism مصطلح إشكالي، لا لأنه كذلك في ذاته، أو في بنيته ودلالته المجردة فقط، ولكن بسبب تداخله مع مفاهيم أخرى لا تعادي الرجل أو تشاكسه، وتضعه العدو الرئيس للمرأة. وهذا الإشكال في المصطلح نتج عنه ارتباك رؤى المشتغلين به، وتشتُّت أفكارهم، وعدم تحديدهم زاوية نظر واضحة ينطلقون منها، وهذا الارتباك نتج عنه تداخل كبير في المصطلحات، حتى صار هناك من يستعمل مصطلح النسوية وكأنه رديف أو بديل لمصطلحات أخرى: كالنسائية، أو حركة تحرير المرأة، والدفاع عن حقوق المرأة.

هذا الخلط الكبير بين مصطلحي النسوية والنسائية، يلازمه كذلك خلط لمصطلحات أخرى مرتبطة بالنسوية كمصطلح الجندر، أو النوع الاجتماعي ومصطلح الجنس النوع البيولوجي، واستخدام مفهوم الجندر مقابل مفهوم الجنس سيؤدي بطبيعة الحال إلى خلق تقابلات وجدليات: كالطبيعة مقابل الثقافة.

فدائما ما يثار الجدل حول هذه العلاقة -البيولوجي مقابل الاجتماعي- هل صفات المرأة البيولوجية هي سبب لوجود فوارق اجتماعية، أو بصيغة أخرى: هل الفروق البيولوجية تؤدي بالضرورة إلى وجود عدم مساواة جندرية؟

إن الإجابة بنعم، تعني أن يتم بناء المجتمع وتوزيع القوة والامتيازات الاجتماعية وفق هذه الإجابة. ومن هنا ظهرت إشكالية علاقة الجندر بالنوع البيولوجي، حتى صارت العلاقة الجنسية الطبيعية موضع مناقشة، وهناك من رائدات الفكر النسوي من ينظر إلى هذه العلاقة كونها السبب الرئيسي لاضطهاد المرأة.

يجب أن نعرف جيدا، أن الحركة النسوية -المعتدلة منها والمتطرفة- لا تهتم إطلاقا بمشكلات المرأة على المستوى الوظيفي أو السطحي، بل هي تهتم بتفكيك العلاقة بين الرجل والمرأة، أو الذكر والأنثى، على المستوى البنيوي.

فهي تسعى إلى إعادة تفسير وكتابة كل التاريخ البشري والتاريخ الاجتماعي والفكري واللغوي والأدبي وحتى الاقتصادي، واعتماد إطار مرجعي يقلب كل الموازين والمفاهيم، خلال إدخال منظور جديد لرؤية العالم والكون والعلاقات والقيم خلاله. إنها تسعى إلى إعادة بناء المجتمعات بناءً جديدا وجذريا، يرفض كل الإطارات التي حددتها الثقافة الذكورية مسبقا، وطرح رؤية عالمية جديدة شاملة لكل البشر.

إن الحضارة التي نعيشها اليوم -من منظور نسوي- هي حضارة ذكورية، والعقل الغربي المهيمن، هو عقل ذكوري سعى -على الدوام- إلى الانتقاص من عقل المرأة. ومن هنا، يظهر طابعها العنصري الذي يتخذ من معاداة الرجل محور الانطلاق الأساس، مشعِلة بذلك حربا عنصرية بين الرجل والمرأة.

فالرجل الذي يعامل -من منظور نسوي- بصفته جنسا شريرا وظالما، هو العدو الأول والأخير.

لذلك، نعتقد أن الفكر النسوي لا يناقش مواضيع حقوقية عادية، مثل حق التعليم والملكية الخاصة، وغيرها من الحقوق، بقدر ما يناقش العلاقات والقيم المعهودة التي تحدد علاقة الرجل بالمرأة.

فالفروق الجندرية لا تشكلها أو تحددها البيولوجيا الطبيعية، وإنما هي منتجات ثقافية ذكورية نتج عنها عدم المساواة. ومن هنا كانت أهداف الفكر النسوي مراجعة كل منتجات الحضارة بصفتها نتاجا ذكوريا، ابتداء من اللغة التي وظّفها الرجل لمصلحته ووفق رؤيته، ونهاية بالاقتصاد الذي تسيطر عليه الرأسمالية الذكورية، التي خلقت فوارق طبقية بين الرجال والنساء في المجتمع.

وكما تعتقد سيمون دي بوفوار، أحد أهم المرجعيات النسوية، أن المرأة لا تولد امرأة، وإنما يتم فبركتها وتصنيع جسدها وفق متطلبات السوق الذكورية، الأمر الذي يسهم في تسليعها وانتزاع إنسانيتها، للرمي بها داخل عالم ممتلكات الرجل.

وفي هذا السياق، تقول سيمون دي بوفوار «إذا أردت اكتشاف أسرار جسد المرأة، فانظر إلى العملية الجنسية. فالرجل هو من يمسك زمام المبادرة، بينما هي تتقبل عروضه الغزلية ومداعباته بكل سلبية».

إن الحركة النسوية، في إطار نشأتها الاجتماعية والفكرية، وفي إطار الروافد الثقافية التي غذّتها، هي أيديولوجيا غربية محضة، يراد أن تصدر للعالم كله بصفتها نموذجا عالميا، فهي تسير على غرار حركات أيديولوجية سابقة، كالشيوعية والليبرالية والذرائعية، التي طرحت للعالم، ليس باعتبارها حركات خاصة بالحضارة الغربية، ولكن باعتبارها مذاهب طوباوية عالمية يجب تطبيقها على كل البشر، باختلاف ثقافاتهم وعقائدهم.

ومن هنا، يتضح لنا الفرق الجوهري بين مفهومي النسوية والنسائية. فالحركة النسوية ترفض أن تعطى لها الحقوق ضمن الإطار القيمي الذكوري -كما يسمونه- لذلك هي تسعى خلال أفكارها إلى طرح إطار مرجعي عام جديد -الإطار النسوي- ليكون بديلا للإطار القيمي الذكوري السائد.

خفت بريق الحركة النسوية في الغرب، بصفتها حركة نشطة وفاعلة في المجتمع، حتى مع بقاء بعض التيارات والمنظمات التي تدعمها، ولكنها ما زالت محط اهتمام البلدان الغربية التي تنظر إليها كونها سلاحا أيديولوجيا فعالا ضد الخصوم والقوى السياسية التي تهدد الغرب ومصالحه. فقد لعبت الحركة النسوية أدوارا ضد القوة الشيوعية في الثمانينات. وبعد زوال الخطر الشيوعي، بدأ الفكر النسوي يأخذ مساره الجديد ضمن نشاطات بعض المنظمات الدولية، لتجد طريقها نحو دول العالم الثالث، كما يسمونه.

نافذة

الحركة النسوية، في إطار نشأتها الاجتماعية والفكرية، وفي إطار الروافد الثقافية التي غذّتها، هي أيديولوجيا غربية محضة، يراد أن تصدر للعالم كله بصفتها نموذجا عالميا