حماد القشانين

ما إن يُولد المولود -سواء كان ذكرا أم أنثى- حتى يهتم الأب بكل تفاصيل حياة ابنه، والأم كذلك بابنتها. فتجد كلا منهما يهتم بأدق التفاصيل، ويضع في الحسبان تفاصيل الخطة العشرينية، للعشرين عاما القادمة لهذا المولود.

ويكثر النقاش والتداول بين الأب والأم، ليتفقا على حل وسط لهذه الخطة الطويلة المدى، وكأنهما يديران دولة وليس حياة بشر، ليست لهم قدرة التحكم في زوالها أو بقائها.

وما إن يبدأ الطفل يعي قليلا ما حوله، حتى يقوم الأب بتحويله إلى ذاكرة تسع عدة

«جيجابايت» من المحاذير، فيتم الصراخ عليه، وضربه و... و...، كي يحافظ على حياته، وكأن الموت ليس لديه أسباب للوصول إلى هذا الطفل، إلا عن طريق تلك السبل التي قام الأب بإغلاقها مسبقا.

وما إن يتعدى هذا الطفل مرحلة البحث عن كل غريب مما حوله، حتى يبدأ الأب في مرحلة «تثبيت نظام التشغيل» الخاص به على ابنه، رغم أن الجهاز مختلف تصميما وشكلا ومهنة وإبداعا وأفكارا عن النظام القديم.

ويبدأ الطفل في مرحلة التشتت، لأنه كان مخلوقا يحتوي على مهنة (الرسام) مثلا، وفوجئ بأن والده يثبت عليه نظام (ضابط الأمن).

ومن هنا، يبدأ تحويل الصيغة الطبيعية إلى صيغة التطبع، ويبدأ الطفل في السرحان والتيه، ويشعر بغربة في بيته وبين والديه، غربة المؤثرات الخارجية، على الصفاء الداخلي.

ويبدأ الأب يلوم أصدقاء الطفل، وليس الأصدقاء فقط، بل يلوم الصديق وأباه وأمه، الذين لا يعرفون تربية أبنائهم كما عرف هذا الأب المغوار أن يربي طفله المخلوق ليكون ضابطا، وليس غير ضابط. والغريب أن هذا الأب نسي أن والديه قد ذوّقاه هذه المعاناة، وما زال هذا الأب مقتنعا بأن التربية هي استنساخ الطفل ليكون على هيئة أبيه.

كم من موهبة زالت لدى أطفالنا، لأنها دفنت في مهدها، وكم من شاب عمل في غير ما يحبه ويهواه، فقط لإرضاء ذويه، ويبدأ بالتحول من مبتسم متفائل، إلى متجهّم متشائم، قابعا في زنزانة البحث عن المادة خلف أسوار هذا العمل الذي يكرهه يوما بعد يوم، لأنه نسي موهبته التي كانت متنفسا له مع كل ضجيج داخلي.

ببساطة: من منّا قبل أن يبدأ في تغيير التركيبة الطبيعية لطفله، سأل نفسه هل ما أقوم به «تربية أم استنساخ»؟.

نظرة للسماء: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «ما من مولود يولد إلا على الفطرة.....»، وتكملة الحديث تشير إلى أن الأخطاء في الدين والتربية تحدث من أبويه، وليس من بقائه على فطرته.