محاسن العبادي

التناغم والتآلف والمودة والرحمة التي أوجدها الخالق -سبحانه وتعالى- بين الرجل والمرأة لعمارة الكون، ليستمر عزف أنشودة الحياة على أوتار قلوب عاشقة لها، وليتأكد هناء وسعادة الوجود البشري شعوبا وقبائل، ولكن دعوني أتساءل كيف في كثير من الأحيان تتحول هذه العلاقات السامية، من محبة وثقة وتكامل، إلى عدوان وصراع وتربص؟ وما الذي قلب المحبة إلى عداوة، والتآخي والتعاون إلى قهر وسيطرة، بعد أن كانا حبيبين متعاونين متكاملين، أصبحت بينهما مسافة ومساحة، حتى ولو كانا في بيت واحد أو حجرة واحدة؟ فقد خلت حياتهما من نعمة الحب والحنان المتبادل؟. فالحب العظيم لا يمكن أن يقوم بين قاهر ومقهور، بين سيد متجبر وبين عبد ضعيف خائف. الحب يجعل من الاثنين سيدين عظيمين، كل منهما يعرف تماما قدر الآخر، ويحتاج إلى ظله ومؤانسته وحنانه.

حين ننظر حولنا بحثا عن أسطورة الحب الجميلة هذه فلا نجدها للأسف، إلا كما نجد الإبرة في كومة من القش، لم يبق منها إلا ذكريات الماضي الجميل البعيد. لقد تغيرت المجتمعات على نحو أخل بالعلاقة بين هذا الثنائي الإنساني العظيم، انتهت تماما نظرة المساواة والتكامل بين الاثنين، أصبح المجتمع يربي الرجل ويعده كسيد، والمرأة كتابع له، من الطفولة حتى الشباب، وصولا إلى بيت الزوجية، تمضي عملية الإعداد هذه في الطفولة، من المهد توضع البنت في إطار ضيق، هو دورها كأنثى وكأم فقط، وإذا أراد الأب أن يفرح قلب طفلته، بلعبة فاللعبة تكون عروسا، وعليها أن تتعلم من الآن أن ذلك مستقبلها، أن تكون هي الأخرى عروسا، أما الولد فاللعبة التي يهديها أبوه له تكون مسدسا أو طائرة، فهو الوحيد القادر على حمل السلاح، ومواجهة الأعداء، وإذا بكى لسبب ما ينهره قائلا بغضب، إياك والبكاء فالبكاء فقط للبنات، ومن هنا يكبر الولد على الإحساس بأنه القوي والبنت هي الضعيفة.

أما في أجمل ليلة من ليالي العمر، وهي ليلة الزفاف، فإن الأب لا ينسى أن يهمس بجدية في أذن ابنه، اذبح لها القطة، اكسر لها ضلعا يطلع لها عشرة، خليك من أول يوم الحاكم بأمره، ولا تنس الأم أيضا أن تلقن ابنتها الوصايا العشر، قصقصي ريش طيرك قبل ما يلوف بغيرك، وهكذا ومن خلال هذا المنهج في الإعداد والتربية، تتحول أجمل ليلة في العمر إلى مباراة بين الاثنين، يتربصان فيها ببعضهما، ويصبح الشك والعنف هو القانون الأساسي بينهما، الشك من جانب المرأة، والعنف من جانب الرجل، وبهذا يتبدد الحلم الجميل. الحلم ببيت الحب والدفء الذي حلم به الاثنان. أليس ذلك شيئا مؤسفا ومحزنا أن نحول أجمل وأكثر العلاقات طبيعية في الحياة، إلى أكثرها تعقيدا وصعوبة؟!.

أعرف جيدا أن المرأة كائن جميل رقيق حنون، لكنه أيضا شرس وقوي في أوقات الشدة، وتقوم بمسؤولياتها على أحسن وجه، كذلك الرجل هو كائن عطوف وجميل، ومن الأصل مُلئ بالحنان، إلا أنه حرم نوعا ما من تلك الصفات الإنسانية الجميلة، نتيجة التربية الخاطئة التي تلقاها منذ الصغر. العيب إذن لا يكمن في طبيعة الاثنين، أو في تركيبتهما الفسيولوجية، إنما العيب مكتسب وطارئ بفعل التربية الخاطئة، فالمرأة إنسان قبل أن تكون أنثى، والرجل إنسان قبل أن يكون ذكرا، واكتمال الحياة وازدهارها لا يكون إلا بغرس المحبة والثقة بينهما. كذلك لا بد من ثقافة تربوية إنسانية، والآباء والأمهات يساعدون الأبناء على ذلك، حينذاك تعود من جديد سيمفونية الحب والمودة والحنان بين آدم وحواء، لتستمر أنشودة الحياة في عزف ألحانها على أوتار القلوب المحبة.