فاطمة السهيمي

بالقرب من محطات الوقود والصهاريج الناقلة لمشتقات البترول والأماكن القابلة للاشتعال أو الخطورة، نجد لافتة مكتوب فيها بلون أحمر غالبا: «ممنوع الاقتراب».

كما يجب على السائق الاحتفاظ بمسافة معينة بينه وبين أقرب سيارة إليه، تفاديا لمخاطر الطريق والأحداث الطارئة التي قد تتسبب في حدوث الاصطدام والتصادم.

ربما أيضا بعض البشر يجب أن يحمل هذه العبارة «ممنوع الاقتراب»، فهو جميل وأنيق وخلوق من بعيد، لكن كلما اقتربت منه أكثر تكشفت لك بعض صفاته المنفرة، التي تجعلك تندم على تفكيرك في الاقتراب.

فالمحافظة على الصورة الجميلة الظاهرية لأي إنسان بضع دقائق أو حتى ساعات هو أمر سهل نسبيا، أما فعل ذلك طوال الوقت فهو مستحيل.

لذلك العرب جعلت السفر دليل المعرفة، فإذا ادعى أحدهم معرفته الأكيدة بشخص، قيل له: «هل سافرت معه؟»، فإذا قال لا، قيل إذن أنت لا تعرفه، ففي السفر تظهر معادن الرجال الحقيقية، حيث تتعرى الأخلاق ويظهر المرء على حقيقته خاليا من جميع المحسنات والمجملات، والاقتراب كالسفر، حيث لا وقت للتجمل، ولا مجال للتمويه، كل شيء يظهر كما هو، بحجمه الطبيعي، لا تكبير ولا تصغير.

تقول إحداهن: تعرفت عليها منذ فترة، كانت مثالا للصديقة الأنيقة، شكلا ومضمونا، كانت مضرب المثل في جمال الروح والخلق، لدرجة أنني -ومن يعرفها- كنا نتساءل: لماذا يقال إن الزين لا يكمل؟!.

شاء الله والتقينا في سكن واحد لظروف الدراسة خارج منطقتنا، ظننت ذلك فتحا عظيما في حياتي ونقطة تحول، كنت ممتنة جدا لله على هذه الفرصة العظيمة، وهنأني الجميع.

لم أستطع أن أكمل عاما واحدا معها، حملت حقائبي ورحلت، حتى قبل أن ينتصف ذلك العام لأحتفظ بآخر ما تبقى من صورتها الزمردية في خيالي، لقد كانت شخصا آخر تماما غير الذي نعرفه في اللقاءات العابرة والمناسبات الاجتماعية المتقطعة، والزيارات المرتب لها من قبل، لا أقول بأنها ممثلة بارعة، ولن أقول بأنها ترتدي قناع النفاق الاجتماعي البشع، كلا، ولكنها شخص عادي، عادي جدا، لديها ما لدينا من العيوب البشرية والنواقص الإنسانية.

في المثل:

«من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم»، والوجه الآخر للمثل من عاشر شخصا أربعين يوما رأى صورته بحجمها الطبيعي الحقيقي دون تكبير أو تصغير أو تزييف، والاختبار الأسهل منهما هو اختبار المواقف، فالمواقف الصعبة أيضا كفيلة بتعرية الأخلاق، حيث تكون الوعود الكلامية على المحك، وتضيق مساحات الهروب والتصنع.

والأمور قد تكون عكسية أيضا:

كفار مكة جميعهم كانوا معجبين بأخلاق النبي، صلى الله عليه وسلم، لكن عندما جهر بالرسالة كان من السهل عليهم اتهامه بالسحر والجنون والكذب، وعائشة -رضي الله عنها- كانت مضرب المثل في المدينة للشابة المؤمنة، لكن بعد حادثة الإفك ظهر من يغمز في شرفها، رضي الله عنها.

لكنها لم تنس أبدا لأم مسطح أنها آمنت ببراءتها ودافعت عنها ووقفت معها في أحلك الظروف، والحال ذاته عندما تجلت خديجة بنت خويلد للرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما تزوجها، فرأى بعينيه الجمال البشري المتدفق كل يوم، كل ساعة، كل لحظة، الأمر الذي جعله صلى الله عليه وسلم يقضي العمر -كل العمر- محبا وفيا وذاكرا لها.

لكن الكمال البشري أمر في غاية الصعوبة، والأشخاص الذين يحتفظون بألقهم في أعيننا بعد اختبار السفر والاقتراب هم أندر من الكبريت الأحمر، لذا احملوا لافتة ممنوع الاقتراب معكم أينما كنتم، وحافظوا دائما على المسافة القانونية بينكم وبين الآخرين، لكيلا تخسروا بعض الصور الجميلة التي علقتوها على مشاجب الخيال الحر للأشخاص الذين يعجبونكم، أو تحبون صفاتهم وأخلاقهم المتفردة.