عماد العالم

غضب الولايات المتحدة من استهداف الميليشيات العراقية المسلحة لقواعدها العسكرية، الذي أدى لمقتل متعاقد أميركي كما أُعلن وسط توقعات بأن الخسائر أكبر مما تم التصريح به، ليس فقط على الجانب البشري والمادي، وإنما أيضا لقواعد اللعبة والتفاهمات الإيرانية الأميركية غير المعلنة، وهو الذي ظهر بحجم الضربة الأميركية التي استهدفت خمس قواعد لحزب الله العراقي في الأنبار وجوارها السوري، حيث تم تدميرها بالكامل بما فيها من مخازن أسلحة، كما قتل جراءها ما لا يقل عن 25 من بينهم ثلاثة ضباط إيرانيين رفيعي الرتب، وكذلك القائد بالميليشيا أبو علي الخزعلي، المتهم بارتكاب مجازر بحق السنة إبان فترة قتال داعش، وهو ما كشفته تقارير إخبارية تحدثت عن مقابر جماعية تم اكتشافها لمدنيين من سنة العراق أشرف الخزعلي بنفسه على إعدامهم.

الضربة الأميركية غير المسبوقة منذ عقد بحق فصيل عراقي مسلح، جاءت في وقت تحاول فيه طهران كسب نقاط تدعم موقفها في المفاوضات مع الأميركيين حال حصولها، لكن ارتداداتها ستكون أكبر في حال أوعزت للحشد الشعبي أو فصائل منضوية معه بالقيام بعمليات انتقامية ضد القوات الأميركية بالعراق، ستتسبب بإحراج الرئيس الأميركي ترمب للدخول بمواجهة غير مباشرة مع إيران يستهدف فيها المكون التابع لها من ميليشيات عسكرية عراقية مسلحة تدين لها بالولاء السياسي والمذهبي، كشفت دقة الضربة الأميركية وأثرها عن انكشافها استخباراتياً، من حيث المواقع ومخازن السلاح والصواريخ الإيرانية المخزنة بها، وطبيعة أفرادها وأماكن تواجدهم وتحركاتهم. جميعها كانت مرصودة باستمرار من قبل البنتاغون والقيادة الأميركية وعلى علم دقيق بها، مما سهل وسيسهل أي تحرك مستقبلي لتحييدها أو حتى للقضاء عليها، فحجم الدور الذي بدأت تلعبه هذه الميليشيات تعدى العشوائي للنظامي من حيث القيادة والأفراد والمكان والمهام الموكلة إليها، ويجعل من رصد تحركاتها والمهام التي تقوم بها أمرا أقل تعقيدا، كما فضحت قيامها بصفتها العسكرية باستغلال الأراضي العراقية كمخازن للأسلحة الإيرانية المهربة لسورية، أو المعدة وفق خطط إيرانية لاستخدامها ضد القوات الأجنبية بالعراق، وعلى رأسها الأميركية حال ارتأت خطط القيادة الإيرانية ذلك.

يميل البيت الأبيض لعدم الانجرار خلف الاستفزازات الإيرانية له في العراق، وهو ما يفسره السكوت الأميركي على عدة عمليات تعرضت لها قواعده قبل رده على الأخيرة بكركوك؛ لأسباب قد يكون منها عدم رغبة ترمب بالدخول بحرب مفتوحة قبل الانتخابات، هذا من جهة، ومن أخرى لتناقضها مع وعوده بعدم الانجرار للخيار العسكري مع طهران، واستبداله بالعقوبات الاقتصادية المتزايدة عليها، وهي التي يعزو لها التسبب بالاحتجاجات الشعبية الأخيرة بإيران، ويعول على المدى البعيد لنجاحها، مع استنزافها لقدراتها المالية والعسكرية الموغلة بسورية والعراق ولبنان واليمن.

أسباب داخلية أخرى يضعها ترمب باعتبارها تجعل من احتمال المواجهة الموسعة مع إيران غير مرغوب بها، خصوصا مع سيطرة المعارضة الديموقراطية على مجلس النواب والساعية لمحاكمته وعزله، واستغلالها لأخطاء وخسائر محتملة نتيجة المواجهة العسكرية في الحملة ضد سياساته وبالانتخابات الرئاسية المقبلة. مجملها ستجعل من خامنئي من سيقرر ما سيكون عليه الموقف الأميركي سواء التهدئة بالإيعاز للفصائل العراقية بعدم التحرك والاكتفاء فقط بالمظاهرات والخطب الرنانة والبيانات النارية، مع اختطاف مدنيين أميركيين، أو هجمات شرفية لا قيمة لها عسكريا، أو إن تمادى المرشد الأعلى وقرر التصادم، فسيجر ترمب لحرب لا يرغب بها، لكنه سيحرص أن تكون حاسمة ومدمرة تشل الميليشيات الشيعية المسلحة العراقية التابعة لإيران، لتكون تبعات ذلك تصب في الصالح العراقي عبر منح الحراك الشعبي زخما لفرض التغيير المطلوب عبر قيادة عراقية وطنية بعيدة عن المحاصصة والطائفية، مع تغيير للدستور وقانون الانتخابات، وتحجيم التشكيلات المسلحة المهيمنة على المشهد السياسي والشعبي العراقي، ومعه المرجعيات التي تقف وراءها. يبقى أن نشير إلى أن ‏انسداد الأفق السياسي في العراق المتزامن مع جمود المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأميركا، وحالة الغليان غير المسبوقة في لبنان، واشتعال المعركة على تخوم طرابلس وإدلب، ربما ستقود لنزال بين ‏أميركا وإيران في بلاد الرافدين الغائبة قياداتها عن المشهد وغير المتحكمة به!