حماد القشانين

في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي وعلى حسابه الرسمي، وضع أحد البنوك السعودية مقدمة أشبه بمقدمة (ابن خلدون)، لإبراز دوره الاجتماعي، والذي نبع من «ضمير حارق» و«دور خارق» في «التمثيل الصادق» للإحساس بأهمية المشاركة المجتمعية، والوقوف مع المجتمع في السراء والضراء. وبعد أن توسعت حدقات العيون، ونشف ريق البلعوم من الانتظار لما سيقوم به بنكنا الموقر من خير كاسح، خصوصا أنه كان معلنا عن أرباحه الفصلية بمبالغ مليارية، قال إنه ومن باب الإحساس بالمواطنة الصادقة، والشعور بالحاجة الماسة لبعض الأسر في المملكة ومع انتشار هذا الوباء، وتقليلا من تأثير هذه الجائحة، فقد تبرع بألفي سلة غذائية، لألفي أسرة سعودية. وبعد أن امتلأت الحناجر بهمهمات أشبه بقول (لا كثر خيركم)، تذكرت العرض التعريفي والترحيبي الخاص بالموظفين، والذي تستعرض به إحدى المجموعات التجارية التي تملك العديد من أشهر الماركات العالمية، بأنها فتحت لها معارض في جميع أنحاء المملكة، بل وجعلت بين المعرض والمعرض معرضا آخر، وأن السوق السعودية تمثل لها الأهمية الكبرى في نموها السريع، لأنها تملك معارض في أكثر من 22 دولة حول العالم، تشكل مبيعاتها من الـ 21 دولة بما فيها دول الخليج ما يعادل الـ 53 %، بينما تمثل المملكة وحدها 47 % من إجمالي مبيعاتها السنوية. وبعد استعراض هذه المجموعة العالمية لمدى مشاركتها المجتمعية وعطائها اللامحدود وخيرها اللا منقطع والدفاق على هذا الوطن الذي لم تبن منه إلا نصف ثروتها فقط، قالت إنها تشارك مجتمعنا «أحزانه ومواساته»، بتوظيف أبنائه وبناته وأنها تقوم بذلك من باب أنها تحن وتعطف على هذا المجتمع المسكين الذي يحتاج منها الوقفة الحانية، وكأن التوظيف (إحسانا)، وكأن البنك والمجموعة نسيا أو تناسيا، أنه لولا هذا المجتمع السعودي لما «طلع لهم صيت» بين المنافسين محليا وعالميا.

ما أود قوله أن البيئة المهيأة للمنافسة الاقتصادية في السعودية وخصوصا للبنوك والماركات العالمية، تعتبر بيئة ذهبية لمن يدير هذه المجموعات والشركات، لذا تجد أنهم وضعوا أرقاما فلكية لنسبة النمو التي يجب أن يجنوها من جيوبنا، وعليه فإن تقييم كل مسؤول في هذه «المناشير الآكلة طلوعا ونزولا» يعتمد على الأرباح التي جناها مقابل الخسائر التي استطاع الحد منها، فكيف ننتظر من أي مسؤول أن يهتم بالمجتمع أكثر من اهتمامه بتقييمه الذي «يأكل من وراه عيش». صحيح أن البنوك السعودية دعمت صندوق الوقف الصحي لمكافحة جائحة كورونا بما يقارب 160 مليون ريال، ولكن هل هذا الدعم طوال هذه الفترة المنصرمة هو المأمول منها؟، وهل من المستحيل أن نرى يوما مستشفيات وجامعات وطرق مواصلات قد أنشئت لتخدم طوال الحياة على نفقة هذه البنوك وتحمل شعاراتها، أم أن مساعداتهم لهذا المجتمع دائما مقطوعة، على عكس الأرباح المجنية من ورائه والتي دائما ما تكون بنسب الارتفاع والنمو موصولة.

خلاصة القول أن هناك أموالا طائلة خرجت لأنحاء العالم من جيوب المجتمع السعودي، لمؤسسات وشركات وتحالفات ومجموعات صيتها يملأ أصقاع الأرض، ومع ذلك تترك حرية الاختيار بمستوى مشاركتها المجتمعية في أيدي ملاكها، فبالتأكيد أن هذا المالك لو سئل عن نتائج استثماره في المملكة فسيقول (ربحت مليارين وتصدقت بريالين).