صديق .. زاملني مدة من الزمن وكنا – مدة هذه الزمالة – لا نفتأ نتحدث عن: التقليد .. ولا سيما التقليد الأعمى وكان صديقي كثير التحمس ضد التقليد من حيث هو كان يقول لي إن أهم عامل لضياع الشخصية هو التقليد وكان يقول: تصور إنسانا يقلد آخر في الملبس وكاتبا يقلد آخر فيما يكتب ومتحدثا يقلد آخر في الحديث فماذا يبقى للمقلد من الشخصية إلا المسخ وكثيرا ما ضرب لي مثلا على ذلك بالغراب الذي أراد أن يقلد مشي الحمامة فنسي في غمرة التقليد مشيته الأساسية وأصبح أعرج وكم كان يخشى على اليابان التي اشتهرت بالتقليد في المصنوعات إلى حد الإجادة من ضياع شخصيتها كبلد صناعي وضرب لي مثلا قائلاً: ذهب أحدهم – في اليابان طبعا – إلى الخياط وطلب منه أن يصنع له بدلة على شكل البدلة التي كان يلبسها فأخذ الخياط يدقق النظر في البدلة وأخذ يطلب من الزبون أن يستدير إلى اتجاهات مختلفة ثم قال له غدا أسلمك البدلة الجديدة وفي الغد تسلم الرجل البدلة ولبسها كانت مطابقة للتي كان يلبسها حتى أن الرقعة التي كانت في البنطلون القديم وجدها في البنطلون الجديد وحينما سمعت القصة كرهت الغباء والتقليد. وفرقت بيننا – صديقي وأنا – سبل العيش في الحياة. ولقيته بعد مضي ما يقرب من عشرين سنة في بلد ما خارج المملكة العربية السعودية كان يرتدي بدلة «أفرنجية» وكان يبدو وكأنه سجين هذه البدلة كل شيء فيها بمقياس دقيق وقد حشرت رقبته في ياقة منشاة بعد أن ربطت فوقها كرافت ربطا عنيفا ترى أثر هذا الربط في بروز عينيه بعض الشيء وفي احمرار لون وجهه، كان لا يمشي إلا بمقدار ما تسمح له به البدلة الضيقة الشيك وكان لا يدير وجهه أو يلتفت يمنة أو يسرة إلا بما تسمح به الياقة المنشاة والتي كثيرا ما عاقت خروج الكلام من فمه مستقيماً ودهشت لهذا التبدل في صديقي وتنكره لما كان يدعو إليه ولفت نظره إلى ما هو فيه .. فأجاب – وهو نشوان – بما معناه .. أن الشياكة تقتضي أن يكون مظهر الإنسان .. هكذا ... وحزنت كثيرا لخضوع صديقي لسجن هذه الشياكة. ودعاني إلى الغداء .. في أحد المطاعم الفخمة .. وأخذ يلفت نظري إلى ما يجب أن يكون أثناء تناول الطعام .. من حيث مخاطبة «الجرسون» وطريقة تناول كل صنف من الطعام و.. و.. إلى آخر التعليمات التي يجب علي، أن أتبعها..
وقدمت لنا «الشوربة» .. وأخذ صديقي يشربها بـ»الشوكة» .. وضحكت واستغرقت في الضحك وغضب صديقي من عدم معرفتي لـ «اتكيت» تناول الطعام على الطريقة الأفرنجية وخشيت إن أنا ناقشته أن تكون المناقشة عديمة الجدوى لهذا صمت وأخذت في تناول الغداء وانتهيت منه .. وصديقي لما يزل .. يشرب الشوربة بالشوكة.
1955*
* كاتب صحفي سعودي «1934 - 1977»
وقدمت لنا «الشوربة» .. وأخذ صديقي يشربها بـ»الشوكة» .. وضحكت واستغرقت في الضحك وغضب صديقي من عدم معرفتي لـ «اتكيت» تناول الطعام على الطريقة الأفرنجية وخشيت إن أنا ناقشته أن تكون المناقشة عديمة الجدوى لهذا صمت وأخذت في تناول الغداء وانتهيت منه .. وصديقي لما يزل .. يشرب الشوربة بالشوكة.
1955*
* كاتب صحفي سعودي «1934 - 1977»