عبدالله فدعق

سيستمر الناس في التعمق والبحث عن حكمة التشريع وفلسفته وأسراره و«مقاصده»، وهذه الأمور، أمور دقيقة جدا، دون أدنى شك، ومثل ذلك أيضا التعمق والبحث في «قصد» المكلفين بالأعمال الشرعية، وأهمية أن تكون لهم «نيات» في أقوالهم وأعمالهم، سواء كانت قلبية أو بدنية.

بالنسبة للتشريع؛ فالمؤكد هو أن الهدف الأسمى هو «تحقيق مصالح العباد»، في عاجلهم وآجلهم، وغير ذلك من الأهداف الجليلة، كتيسير الدِّين على الخلق، وإسعادهم في دنياهم وأخراهم، وعدم تكليفهم إلا حسب وسعهم، مع عدم إلزامهم في أمور عقيدتهم، بما قد يوقعهم في التخبطات والشكوك، كمثل استماتة البعض في «تعليل» أفعال الخالق، سبحانه وتعالى، وبطريقة تفصيلية، لا تزيد الناس إلا وهما على وهم، وحيرة فوق حيرة..

الحيرة، السالفة ذكرها، بين أن يكون المرء مع فريق «إثبات التعليل»ـ المعتزلةـ أو فريق «نفي التعليل»ـ الأشاعرةـ بالنسبة لأفعال الخالق.. الفريق الأول، وهو فريق الإثبات، يقايس أفعال الله، سبحانه تعالى، على أفعال الناس، وبسبب ذلك تحصل المعاناة، ويحدث الاضطراب؛ أما الفريق الثاني، وهو فريق النفي، فقد اهتم كثيرا بالخوض في أمور التحسين والتقبيح، ونفي أن يكون الله، سبحانه وتعالى، فعل كذا لعلة كذا، أو بسبب كذا.

أنا هنا، في مقالي هذا، لا أنتصر لفريق على فريق، ولكني أكتب عما يفيد الإنسان غير المتخصص، الذي يهمه أن يعرف أن هناك فوارق دقيقة بين «تعليل» الأفعال و«الحكمة» منها، وأن اللازم عليه هو عدم العبث بالكلام في الأمور المتعلقة بالله تعالى؛ فكل أفعاله، جل جلاله، «حكيمة»، في ذاتها، ولا تحتاج لحكم مضافة، سابقة أو لاحقة، لأنه الفاعل الحقيقي، وهو الغني عن تسبيب ذلك، وخصوصا لأولئك الذين يعانون من الاضطراب في إيمانهم، وينقصهم التفطن بأن مقام «الخالق» مختلف عن مقام «المخلوق»، وأن الأصل هو «التعبد» دون التلفت هنا وهناك.

أختم، بأن الأمور المتعلقة بالله تعالى؛ «النقل» فيها يتقدم، و«العقل» يتأخر، ويصبح تابعا، بل ومقيدا؛ يقول الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، في الجزء الثاني من كتاب (الأم): «كل شيء خالف أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله، تعالى، قطع العذر بقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به»، ويقول الإمام مالك، رحمه الله تعالى، كما نقله الإمام اللالكائي في كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»: «أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم»، وهو ما يؤكد ضرورة إثبات عصمة الشرع الحكيم، وتأكيد أنه ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وأن باب التأويل لا يُحتاج إليه، وأن الحياة يمكن أن تستقيم، عن طريق نفي التعارض بين وحي الله، تعالى، بين خلقه، وهذا هو سبيل انتفاع البشرية بهدي الله، سبحانه وتعالى، وبشرعه الحكيم.