مريم النويمي

الطبيب هو إنسان اختار أن تكون مهمته الحفاظ على النفس البشرية، وهو الشخص الذي منذ دخوله كلية الطب أصبحت حياته ليست ملكه بل ملكا لدراسته وعمله بعد ذلك، يعتذر عن كثير من المناسبات الاجتماعية حتى اعتقد البعض أنه غرور، وهو لا يدرك أن الطبيب محروم من ممارسة حياته الاجتماعية، ويتمنى أن يكون لديه وقت يتسع لكل هذه الحياة خارج أسوار المستشفى.

الطب أمنية لكثيرين ربما، ولكن حينما يتعلق الأمر بجودة الحياة ربما يغير كثيرون رأيهم أو ربما يختارون العمل الإداري بعيدا عن تخصصهم الذي أخذ منهم أكثر مما أعطاهم، أخذ وقتهم وأحياناً كثيرة صحتهم، فكثير من الأطباء يعانون من أمراض القلب والشرايين. هناك دراسة عن معدل الوفاة بين الأطباء خلال عشر سنوات، وجدت أن معدل أعمار الأطباء أقصر من غيرهم، وأن معظمهم يموت بسبب أمراض القلب والشرايين، أو السرطان. ربما يفاجئ هذا البعض لأنهم يعتقدون أن الأطباء يتمتعون بصحة جيدة، فهم يعلمون ما هو جيد للصحة، ولكن الذي لا يدركه معظم الناس أن الضغط النفسي الذي يعيشه الطبيب وهو يواجه الحالات الحرجة ومناوباته المتتالية وقلة نومه، كل ذلك يرفع ضغطه ويُضعف مناعته، ويجعله عرضة للأمراض. لكل وظيفة ضريبة وكل طبيب يختار مهنته، وهو بكامل وعيه وفي قمة حبه للتخصص، فيندمج في عمله، ولكن مع الوقت يجد نفسه الشخص الأكثر استباحة والأعظم استهدافاً بالشكاوى، وعليه أن يتحمل تبعات المرض. بينما لكل مرض مضاعفات لها علاقة بالمرض ذاته، لا يد للطبيب فيها ولكل إجراء طبي مضاعفات معروفة وتحدث عالمياً، فإذا حدثت لا يعني هذا خطأ الطبيب أو إهماله، ولكن من يستطيع إقناع المريض وذويه، الذين لا يتورعون عن ضرب الطاقم الطبي المعالج. ما زلت أتذكر قصة ضرب طبيب زميل قام بتوليد سيدة في قسم الطوارئ، لأنه كان الوحيد الموجود وقتها، فضربه زوج السيدة بالحذاء! لم يكن هناك قانون يحمي الطبيب. وأتذكر تماماً رفع أحد المراجعين في قسم الطوارئ سكينا على زميل آخر في طوارئ الأطفال، فأصاب ذراعه، لأن عيادة الطوارئ كانت مزدحمة، وتأخر دور الطفل ولم يعجب ذلك الأب. ما ظننت يوماً أن الطبيب يُضرب وقد رأيت، ومرت الأيام ووضعت العقوبات، وأقرأ من جديد عن ضرب أطباء في مقر عملهم! لم تحمهم الأسوار ولا الأبواب ولا رجال الأمن. ألا تكفي كورونا التي خطفت أرواح كثيرين من الممارسين الصحيين، لا أحد يعرف قدر القلق الذي يحمله الممارس الصحي، وهو يفحص ويعالج ويخالط مصابين بالوباء، بينما الآخرون يفرون منه، الممارس الصحي يذهب إليه كل صباح ويحمله إلى منزله آخر النهار، واجب يفخر به ومهمة يؤمن بها لا تتطلب الإعجاب، ولكن علينا أن نحترمه ونقدر عمله. حتى الرقم الذي وضعته وزارة الصحة مشكورة للاستشارات والشكاوى 937، البعض للأسف أساء استخدامه، فهناك شكاوى كيدية أحياناً ضد الممارس الصحي، وبالتالي إهدار للوقت وجهد العاملين في 937، وتجنيا على ممارس صحي دون وجه حق. الطبيب هدفه خدمة المريض، ولكن بالفعل هناك مفهوم يتبناه البعض (وريهم العين الحمراء) يعتقد أنه سيخيف الممارس الصحي. أقترح على وزارة الصحة إضافة إلى العقوبات، على كل من يعتدي على الممارس الصحي لفظياً أو جسدياً، بأن تضع أيضاً عقوبة للشكاوى الكيدية التي يتضح عدم صحتها، حفاظاً على كرامة منسوبيها وتعزيزاً لثقة المواطن في الكادر الصحي.