قد يحدث أن ينضم أحدنا إلى أي قناة تليقرام -ولو كانت لمعلومات عن الدب القطبي الإفريقي- فيجد عشرات الرسائل التي تحضه على مراسلة الرقم المسجل للحصول على إجازة مرضية موثقة، ويختم رسالته الدعائية بـ«وأنت ببيتك»، وكأنها خدمة توصيل، وفي حال التواصل مع هذه الأرقام يطلب مبلغا زهيدا، وبالفعل ما يلبث طالب الإجازة برهة إلا وقد وصلته رسالة من نظام صحتي؛ تخبره بصدور مشهد الإجازة المرضية على التطبيق، ويفرح هذا الموظف الذي تخلص من «دوشة» الدوام؛ بينما هو «يتبطح» في منزله وصحته «حديد».

ولكن يقول المحامي والمستشار القانوني حمد بن بطشان في منشور على سنابه التوعوي، إنه لا يكاد يمر أسبوع إلا ويتلقى استشارة قانونية من أحدهم يقول قد أخذ إجازة مرضية عن طريق أحد هؤلاء، ورغم أنها وصلته عن طريق نظام «صحتي»، إلا أنه تفاجأ باستجوابه للتحقيق بتهمة التزوير، وإحالته عن طريق النيابة العامة إلى المحكمة المختصة، وذكر ابن بطشان أن هناك أحكاما انتهت إلى فصل الموظف وسجنه ولو كانت الإجازة المرضية ليوم واحد فقط، بسبب أنه تبين أن المريض لم يكن موجودا في المنشأة الصحية أثناء إصدار الإجازة، أو لم يسبقها من الإجراءات الطبية ما هو معتمد من قياس العلامات الحيوية والتشخيص وكتابة التقرير وصرف العلاج في النظام، بل ذكر أن بعض الإجازات التي صدرت، تبين أنها تعود لمنشآت صحية صغيرة مثل مجمع العيادات، وأنها قد أغلقت منذ عام وأكثر، بينما الإجازة صادرة قبل أسبوعين أو ثلاثة، وانتهت «سنابة» المحامي.

ولكن ما لم ينته هو الركن المعنوي في هذه الجريمة، وهي حالة طالب هذه الإجازة المرضية أثناء مراسلته لهذا المستغل عن بعد، فالسؤال هو: ما السبب الذي يجعل أحدهم يطلب إجازة مرضية دون أن يزور منشأة صحية؟ سوى أنه لا يرغب في الذهاب إلى العمل لأي سبب آخر غير المرض، فالأسهل كثيرًا، الغياب دون عذر ولو أضر بالموظف كالحسم أو تأخير الترقية لأعوام، إلا أنه أسهل من اتهامه بجريمة مخلة بالشرف والأمانة؛ وموجبة للفصل من العمل الحكومي والخاص في غالب الأحيان، فيجب أن يعلم الجميع أن المستند لا يغني عن عدم وجود الأصل أو الفعل على أرض الواقع، والمستند الصادر من التطبيق هو مجرد توثيق رسمي لتاريخ ووقت ومكان وقوع الفعل، بمعنى أن حصولك على إجازة مرضية موثقة من تطبيق صحتي، فأنت توثق كل ما يسهل للجهات المختصة المساءلة اللاحقة عن هذا الفعل.


أما وزارة الصحة فقد نشرت على موقعها الإلكتروني منذ أكثر من عام ما نصه: (العقوبات تشمل كل من يصدِر تقريرا طبيا غير صحيح أو مخالفًا للحقيقة، حيث تصل العقوبة إلى السجن لمدة سنة، وغرامة مالية تصل إلى 100.000 ريال، كما تدعو الوزارة الأفراد إلى الحذر من الحسابات الوهمية التي تروج لمثل هذه الخدمات غير النظامية، مشددة على أهمية الاعتماد على منصة «صحتي»؛ لضمان صحة التقارير، وسلامة الإجراءات، مشيرة إلى قيامها بشكل دوري بمراجعة الإجازات المرضية وتطابقها مع السجل الطبي للمستفيد عبر منصة رقمية تمكِّن من جمع ومقارنة البيانات؛ سعيا لفعالية أعلى للإجازات المرضية، وضمان الاستخدام الملائم لها)، ولكن هل هذا يكفي من وزارة الصحة؟

أليس على الوزارة المراجعة التقنية لجميع من لديه صلاحية إصدار إجازة مرضية بالدخول على النفاذ الموحد له، ويكون مرتبطا بالنطاق الجغرافي الضيق لهذه المنشأة المصدرة لهذه الإجازة، بأن تصل إليه رسالة تحقق مرتبطة بمكان هذه المنشأة، ومرتبطة بمدى استمرار صلاحية ترخيصها أو وجودها على أرض الواقع، وإن أغلقت أي منشأة صحية أو نقل مكانها أن تغلق أنظمتها الإلكترونية الخاصة بإصدار الإجازات المرضية تلقائيا. وأليس من الممكن للوزارة أن ترسل رسالة نصية توعوية عامة وأخرى خاصة لكل مستفيد من إجازة مرضية، بالتوضيح أنه سيتم التحقق من صحة الإجازة المرضية على أرض الواقع، وأن العقوبات تصل إلى كذا وكذا، فلربما رسالة واحدة كهذه؛ كانت سببا في بقاء موظف على رأس عمله، وأبقت دخلا شهريا لأسرة وأطفال، وخففت الضغط على النيابة العامة والمحاكم الجزائية والسجون العامة، بدلا من جهل بالنظام جعل (إجازة مرضية تضيع أعواما).