فكرة إنهاء الحياة مثلا، بكل ألمها وثقلها الإنساني تم تداولها على منصات التواصل مؤخرا وأعيد إنتاجها حتى تخطت حدود التعاطف أو محاولات الفهم، ودخلت في دورة لا نهائية من التكرار: مشاهدات، تفاعل، إعادة نشر، ثم انغماس تدريجي في محتوى مشابه. وهنا يصبح المراهق محاصرا داخل دوامة تصنعها الخوارزميات، هذه آلية عمل منصات مثل TikTok و Instagram، حيث يعاد تقديم الفكرة حتى تتحول إلى احتمال ثم إلى تصور ذهني قابل للتجربة.
في هذه البيئة تختلط المشاعر، وتصبح المسألة أشبه بوسيلة للتعبير أو لفت الانتباه مهما كانت خطورتها.
ويبقى السؤال المهم هنا وهو كيف يمكننا حماية أبنائنا؟
علينا أن نفهم أولا أن هذه المشكلات لا تظهر فجأة بل تسبقها علامات؟ فكم من الآباء والأمهات يجيدون قراءة العلامات!
اضطرابات النوم أو الشهية، التراجع الدراسي، الحساسية المفرطة أو البرود المفاجئ، الميل إلى العزلة، تكرار العبارات العابرة عن العبثية وعدم الجدوى، أو التطرق لذكر القصص حول حوادث معينة أو حتى وجود آثار على الجسد مثل الكدمات أو الخدوش. كل هذه الإشارات يجب الانتباه لها. فالمراهق بطبيعته أقل قدرة على تقدير العواقب، وأكثر حساسية للتقييم الاجتماعي، وأكثر استعدادا لتجربة ما يراه منتشرا.
إذا لا يجب أن يكون السؤال: ماذا يشاهد أبناؤنا؟ بل كيف يتم تشكيل وعيهم عبر ما يشاهدون؟ وكيف تعاد صياغة مشاعرهم داخل بيئة رقمية تغذي حالة الإثارة بشكل ممنهج ومستمر؟
التعامل مع هذه الإشارات لا يحتمل التجاهل والإنكار، كما لا يحتمل المبالغة وخلق مزيد من الضغط.
يجب أن يكون لدى الآباء وعي مختلف، فيبدأ التدخل مبكرا قبل أن يصل المراهق إلى الحافة، يجب أن تبنى علاقة ثقة متينة، ومساحة إصغاء آمنة، وقدرة على الاحتواء العاطفي.
كما يجب اللجوء إلى مختص نفسي في حال الضرورة، ونبذ الفكرة القديمة التي تنظر للعلاج النفسي كوصمة.
المدرسة أيضا تضطلع بدور كبير فهي بيئة رصد مبكر، فالمعلم والموجه يلاحظون التغيير في سلوك الطالب ومزاجه وصحته وقابليته للتعليم.
الإعلام أيضا يتحمل مسؤولية كبرى بإلقاء الضوء على مثل هذه الظواهر في قوالب متوازنة، فيكون موجها نحو المساعدة، ويقدم قصص التعافي، ويحتفي بالشخصيات التي يمكن تقديمها كنماذج للذكاء والشجاعة في مواجهة أزمات الحياة.
ربما نظن أن هذا الجيل يملك كل شيء، ونفاجأ عندما نجده أكثر قابلية للانكسار. والحقيقة أن أخطر ما يواجهه هذا الجيل هو الفراغ، وأقصد هنا «فراغ المعنى» الذي يدفع دائما باتجاه فعل أي شيء، ليكون الشخص مرئيا ومسموعا ومتابعا على منصات التواصل، وصاحب تأثير افتراضي.. إنه مأزق عميق أكثر مما يبدو لنا. وحالة من الضجيج تصنعها وسائل الاتصال في حياة أبنائنا تربكهم وتفرض عليهم أشكالا من القلق الصامت.