فهم الهوية الوطنية السعودية يقتضي إدراك أن الدولة السعودية ليست نسخة مكررة من نموذج الدولة القومية الأوروبية، وليست كيانا إداريا محايدا بلا روح، حيث إنها تشكلت عند تقاطع خاص بين الدين، والتاريخ، والسياسة، والجغرافيا، وبين القيادة، والمجتمع، فالإسلام فيها ليس هامشا، وإنما أفق حضاري وقيمي، والدولة ليست جهازا بيروقراطيا، وإنما حامل تنظيمي وسيادي ومؤسسي، والمجتمع ليس كتلة صماء، وإنما جسم حي متعدد البيئات واللهجات والعادات، والقيادة قوة توحيد واستمرار وضبط للاتجاه، والأرض ليست حفنة تراب، وإنما مجال سيادة وانتماء وذاكرة، ومن هنا لا يمكن فهم الوطنية السعودية بمفاهيم تختزلها في رابطة قانونية بحتة أو في قومية لغوية ضيقة؛ لأن خصوصيتها نابعة من هذا التركيب التاريخي الذي التقى فيه الديني بالوطني على نحو منتج ومؤسس لشرعية رمزية خاصة.

ولأن الهوية الوطنية ليست فقط واقعا معاشا، وإنما هي أيضا تصور مشترك للذات، فإن الانتقال من «السيولة» إلى «التشكل» هو انتقال من مجرد «العيش معا» إلى «التخيل المشترك» أو ما يسمى سوسيولوجيا «بالجماعات المتخيلة»، فلا يكفي أن يسكن الناس أرضا واحدة، وإنما الأهم أن يتخيلوا أنفسهم جماعة واحدة، لها تاريخ مشترك، ومصير مشترك، وألم مشترك، وأمل مشترك، وهذا التخيل المشترك لا ينشأ تلقائيا، بل يبنى ويغذى عبر الشعور بأن نجاح الدولة نجاح للفرد، وأن قوتها امتداد لكرامته، وأن تعثرها ليس أمرا خارجيا عنه، عندها تتحول الدولة من سلطة فوق المجتمع إلى قصة جامعة للمجتمع، ويتحول المواطن إلى شريك في المعنى والحس الوطني.

وأخطر ما في مرحلة «السيولة»، هو قابلية الاختراق، فالهوية التي لم تتشكل جيدا تظل رخوة أمام الهويات المنافسة، وأشرس هذه الهويات المنافسة التي يمكن أن تملأ الفراغ، هي: الجماعات الأيديولوجية، والعصبيات الضيقة، والولاءات العابرة للحدود، والسرديات الطائفية، والمشاريع الأممية، حيث تنتزع هذه الهويات المنافسة الإنسان من جذوره ثم تعيد تعريفه بوصفه تابعا أو أداة، وكل سيولة في الهوية الوطنية تفتح الباب أمام آخرين لكي يعرفوا الفرد بدلا عن وطنه، ولهذا فإن ضعف الهوية ليس خللا ثقافيا فقط، وإنما اختراق سياسي وأمني في الوقت ذاته، فمن لا يملك تعريفا واضحا لنفسه يسهل استدراجه إلى تعريفات الآخرين، ومن لا يملأ وطنه ومجتمعه فراغ معناه تملؤه الأيديولوجيات والانفعالات والدعايات والشبكات العابرة، وهنا تكمن العلاقة الدقيقة بين ضعف الوطنية وصعود الجماعات المؤدلجة أو الولاءات العابرة.


ومن ناحية أخرى فإن «التشكل» لا يعني الانغلاق، فالهوية الراسخة ليست هوية خائفة، ولا منغلقة، بل هي هوية ناضجة وقادرة على الانفتاح من غير ذوبان، وعلى الاستفادة من الآخر من غير استلاب، وعلى التفاعل من غير أن تفقد مركزيتها الداخلية، وهذا المعنى ملاحظ بوضوح بعد رؤية السعودية 2030، حيث تم إعادة صياغة الهوية السعودية وتشكيلها لكي تدخل العالم وهي تعرف من هي؟ وماذا تريد؟ وما الذي تأخذه؟ وما الذي ترفضه؟ وما الذي تعيد إنتاجه بطريقتها الخاصة؟ ومن هنا يتضح الفرق بين الانفتاح والسيولة: الأول فعل ثقة وحضور، والثاني فعل رخاوة والتباس.

رؤية السعودية 2030، والتي صنعها سمو الأمير محمد بن سلمان لحاضرنا الذي يروم بناء المستقبل اعتمادا على المعطى التاريخي والإرثي، صنع تحولا كبيرا في الوعي الوطني السعودي: فالهوية ليست ماضيا فقط، وإنما مشروع مستقبل أيضا، فالأمم لا تعيش على الذاكرة وحدها، ولا تتماسك بالبطولات الغابرة وحدها، ولا تحفظ نفسها بمجرد الاحتفاء بالرموز التراثية، وكل ذلك مهم، لكنه لا يكفي، فالهوية تتقوى أيضا بالصورة التي تصنعها الجماعة لمستقبلها، ولهذا لم يعد سؤال الوطنية مقتصرا على «من نحن؟»، وإنما امتد إلى «ماذا نريد أن نصبح؟»، هنا تنتقل الهوية من هوية الذاكرة إلى هوية الإنجاز، ثم إلى هوية الطموح الحضاري، وعندئذ لا تبقى المشاريع الكبرى، والتحولات التنموية، والرؤى الوطنية، مجرد سياسات اقتصادية أو إدارية، وإنما تصبح جزءا من إعادة تشكيل الوعي الوطني نفسه.

وفي قلب هذا التشكل تحضر الرموز الوطنية بوصفها أدوات تكثيف للمعنى، لا مجرد زينة: فالقادة عبر العهود الثلاثة، والعلم الوطني، والنشيد الملكي، ويوم التأسيس، واليوم الوطني، والزي السعودي، والقهوة السعودية، والنخلة، والتمر، والجمل، والصقر، والصحراء، والسيف، والعمارة المحلية، وأسماء الأماكن، والذاكرة التاريخية؛ كلها ليست تفاصيل هامشية أو فلكلورية، وإنما أوعية تختزن الذاكرة والسيادة والاعتزاز والانتماء، فالهوية السائلة تنظر إلى الرمز بوصفه ديكورا عابرا، أما الهوية المتشكلة فتعرف أن الرمز لغة جمعية، واختصار لتاريخ طويل.

كما أن الهوية الوطنية السعودية لا تقوم على محو الهويات الصغرى، وإنما تقوم على تنظيمها، فليس مطلوبا من السعودي أن يتبرأ من منطقته، ولهجته، وعاداته، وانتماءاته الاجتماعية القريبة، وإنما المطلوب أن تندرج هذه جميعا تحت سقف أعلى جامع، وأن تأخذ موقعها الطبيعي داخل «الكل الوطني»، فالوطنية ليست حربا على التنوع، وإنما هي الصيغة التي تمنع التنوع من التحول إلى تنازع، ويمكن للإنسان أن يكون ابن منطقته، ومعتزا بخصوصيته، من غير أن ينكمش داخلها أو أن يحولها إلى بديل عن الوطن.

وثمة ملحظ مهم، وهو أن التشكل الحقيقي لا يقاس بامتلاء الخطاب الوطني وحده، وإنما بقدرته على التحول إلى سلوك يومي، فليس كافيا أن نردد كلمات الحب والولاء والانتماء إذا لم نظهر الوطنية في احترام النظام، وصيانة المجال العام، وحفظ الممتلكات العامة، والإتقان في العمل، ورفض العبث، وتحمل المسؤولية، وتمثيل الوطن أخلاقيا في الداخل والخارج، والوعي بالمصلحة العامة، والدفاع عن سمعة البلد، فالوطنية السلوكية تعني أن الهوية الوطنية قد استقرت في الأخلاق اليومية، وتحولت إلى منجز مثمر لا انفعال لفظي عابر.

ومن أعمق علامات اكتمال الهوية الوطنية أن تصبح قادرة على إنتاج سرديتها الخاصة، فالهوية السائلة تسمح للآخرين أن يرووا قصتها عنها، وأن يحدوها، وأن يضعوها في القوالب التي تناسب مصالحهم أو أوهامهم، أما الهوية المتشكلة فهي قادرة على تفسير نفسها بنفسها، وسرد تاريخها، وتقديم مشروعها، والرد على الصور النمطية، وامتلاك خطابها الداخلي والخارجي، وهنا تلتقي الهوية بالسيادة، فالسردية الوطنية ليست ترفا إعلاميا، وإنما جزء من حماية الذات الجمعية، وترتبط هذه المسألة بفكرة الكرامة الجمعية، فحينما يشعر المواطن أن وطنه آمن، وقوي، ومحترم، وذو مكانة، وقادر على الفعل لا مجرد التلقي، يزداد تماسك هويته في نفسه وفي وجدانه.

ومع ذلك، فإن التشكل ليس النهاية؛ لأن العالم يعيد إنتاج السيولة في صور جديدة، فالعولمة، والمنصات الرقمية، والثقافة الاستهلاكية، وإعادة تعريف القيم، والفردانية المفرطة، والهويات الشبكية، والمشاهير والمؤثرون، والترفيه العابر للحدود، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي؛ كلها قوى تعمل على تسييل المعاني الوطنية، وإضعاف المرجعيات المستقرة، وإعادة توزيع الانتباه والولاءات والتصورات، ولذلك فإن السؤال المهم هو: كيف تُصان الهوية الوطنية في زمن كل شيء فيه قابل للذوبان؟ وللحديث بقية.