لعل أولى تلك الدروس أن القضايا العادلة تفقد بريقها حين تُدار بعقلية شمولية، لا ترى في التنوع إلا تهديدًا، ولا في الاختلاف إلا خروجًا عن الصف. فالجنوب، بطبيعته وتاريخه، لم يكن يومًا كيانًا أحادي الصوت، بل مساحة للتعدد والتفاعل، وأي محاولة لاختزاله في اتجاه واحد كانت، ولا تزال، وصفة لتوليد مزيد من التباعد والصراع.
أما الدرس الثاني، فيكمن في تفتيت النسيج السياسي والاجتماعي الذي يبدأ تدريجيًا عبر إقصاء هذا الطرف أو تهميش ذاك، حتى يجد الجميع أنفسهم أمام واقع منقسم، يصعب معه بناء موقف موحد. وقد دفع الجنوب ثمنًا باهظًا لهذا المسار، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيد الاجتماعي أيضًا.
والدرس الثالث ربما هو الأكثر حساسية، ويتمثل في ارتهان القضية لمشاريع لا تنبع من بيئتها، ولا تنسجم مع مصالحها الطبيعية. فحين تبتعد القضية الجنوبية عن محيطها العربي، وعن عمقها الاستراتيجي، فإنها تفقد توازنها، وتصبح أكثر عرضة للتوظيف في سياقات لا تخدم أهلها ولا تحقق تطلعاتهم.
اليوم، ونحن أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد من خلال الحوار، تبدو الحاجة ملحّة لاستحضار هذه الدروس؛ لا بهدف استدعاء الماضي، بل لتجنب تكراره. فالحوار الجنوبي – الجنوبي، برعاية الأشقاء في المملكة العربية السعودية، يأتي كمسار جاد لإعادة بناء الثقة، وتصحيح الاختلالات، وفتح صفحة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية لا الإقصاء الممنهج. إن ما يميز هذه اللحظة أنها تحظى برعاية مسؤولة، تدرك تعقيدات المشهد، وتحرص على توفير بيئة تتيح للأطراف أن تتقارب بدل أن تتباعد. وهي فرصة نادرة لأن يتحول الحوار من مجرد عنوان إلى ممارسة حقيقية، تعيد للقضية توازنها، وتربطها بمصالح أبناء الجنوب وبمحيطها الطبيعي والحيوي.
وفي النهاية، تبقى ذكرى الرابع من مايو مناسبة للتأمل الهادئ لا للمزايدة، وللمراجعة الصادقة لا لتبادل الاتهامات. فالشعوب التي لا تقرأ تاريخها جيدًا، قد تجد نفسها تعيد كتابته بالأخطاء ذاتها.
*الأمين العام لمجلس شبوة الوطني العام