هذه المدرسة صنعها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، حين أدرك أن بناء الدولة لا يبدأ من الثروة، بل من الأمن، وأن المستقبل لا يُصنع بالفوضى، بل بالوحدة والاستقرار. فقد وحّد هذه البلاد في زمن كانت فيه المنطقة تتنازعها التحولات، وجمع أطرافها تحت راية واحدة، ثم مضى في تثبيت النظام، وبناء العلاقة المتوازنة مع العالم، وتهيئة الأرض التي ستنبت عليها لاحقًا كل مشاريع التنمية. كان توحيد المملكة في ظاهره حدثًا سياسيًا كبيرًا، لكنه في جوهره كان قراءة مبكرة لمستقبل وطن يحتاج إلى كيان صلب، وقرار واحد، وهوية جامعة.
ومن تلك الرؤية للمؤسس، جاءت ثمرة عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز امتدادًا عميقًا لرؤية صاحب القرار المؤسس في قراءة المستقبل؛ فمدرسة الملك سلمان هي مدرسة إعداد رجال دولة، وبناء قادة يدركون معنى التاريخ، ويعرفون قيمة القرار، ويفهمون أن المملكة لا تقاد بردود الفعل، بل بصناعة الاتجاهات، وفي كنف هذه المدرسة، نشأ سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مهيأً منذ ولادته لقيمة القيادة ومسؤولية الدولة، حتى غدت القيادة جزءًا من تكوينه، لا صفة طارئة عليه، فخرج للعالم قائدًا يلهم، ويختصر الزمن، ويحوّل الطموح إلى نتائج.
ومن هذه الجذور يمكن فهم تقرير الرؤية اليوم؛ فالأرقام التي يتضمنها التقرير ليست وليدة الصدفة، بل ثمرة تراكم طويل لفكرة الدولة المستقرة، والقرار العميق، والنظر البعيد. وحين تتحقق أو تتجاوز 93 % من مؤشرات الأداء مستهدفاتها، وتُنجز نحو 950 مبادرة من أصل 1290، فإن ذلك يعني أن الطموح لم يبقَ معلقًا في فضاء الشعارات، بل تحوّل إلى ماكينة عمل يومية، تقيس، وتصحح، وتنجز، وتعلن نتائجها للعالم بثقة.
ولغة الاقتصاد في التقرير لا تقل وضوحًا عن لغة الإنجاز؛ فاقتصاد يتجاوز حاجز التريليون دولار، وأنشطة غير نفطية تتقدم في مساهمتها، واستثمارات عالمية تتجه إلى المملكة، وسياحة تستقطب الملايين، وجودة حياة تتحول إلى واقع معاش، كلها شواهد على أن الرؤية لم تكن انشغالًا بالحاضر فقط، بل ترتيبًا ذكيًا لموقع المملكة في الغد، النفط بقي قوة كبرى، لكنه لم يعد السقف الأخير للطموح السعودي، فالدولة التي بنت استقرارها منذ عهد المؤسس، أصبحت اليوم تبني تنوعها بثقة من يعرف قيمة الزمن.
إن تقرير رؤية 2030 لا يقرأ عامًا مضى فقط، بل يكشف عن عقل دولة وُلدت من بصيرة المؤسس، واستكملها الملك سلمان ببصيرة القائد والمربي، ثم حملها ولي العهد إلى العالم بلغة الإنجاز؛ فالقرار الذي بدأ بتوحيد وطن، يصل اليوم إلى بناء اقتصاد متنوع، ومجتمع حيوي، ومكانة عالمية تظهر في (تقرير الرؤية ورؤية أصحاب القرار).