على مدى أكثر من 55 عاماً من حكم النظام السابق، لم يكن الإعلام في سوريا مهنة بالمعنى المهني بقدر ما كان جزءاً من بنية الهيمنة على المجال العام، وإدارة الرواية الرسمية. وخلال تلك المرحلة، خضع العمل الصحفي لمنظومة مركّبة من الترهيب والرقابة والمنع، جعلت من البلاد بيئة طاردة للصحفيين ووسائل الإعلام على حد سواء.

غير أن التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد عام 2024 فتحت مساراً جديداً في المشهد الإعلامي، مع بروز مؤشرات على إعادة تشكيل القطاع ضمن سياق سياسي ومؤسسي مختلف، يقوم على توسيع هامش التعبير، وإعادة النظر في الأطر الناظمة للعمل الصحفي.

في هذا السياق، سجلت سوريا تقدماً لافتاً في تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» لمؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الذي صدر قبل أيام، في خطوة تعكس التحولات التي يشهدها القطاع ضمن مسار أوسع من التغيرات التي تمر بها البلاد. وبحسب التقرير، حققت سوريا أكبر تقدم عالمي هذا العام، إذ ارتقت 36 مرتبة، لتصل إلى المرتبة الـ141، بعد أن كانت في المرتبة الـ177 عام 2025 والـ179 عام 2024، مع تحسن في مختلف المؤشرات المعتمدة.


لكن قراءة هذه الأرقام خارج سياقها التاريخي قد تبدو غير مكتملة، فالمسافة بين «التقدم» و«التحول البنيوي» لا تُقاس بالقفزات الرقمية وحدها، بل بقدرة المجتمع والدولة على إعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والسلطة.

أتذكر أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين التحقت بكلية الإعلام في جامعة دمشق، كيف اصطدمتُ مبكراً بواقع مختلف تماماً عمّا كنت أتصوره. لم يكن الإعلام مساحة للتعبير أو النقاش أو إنتاج المعرفة، بل منظومة مغلقة بشكل شبه كامل، ومحكومة بسقف غير مرئي يحدد مسبقاً ما يمكن قوله، وما يجب الابتعاد عنه (وما أكثره وقتها). وكانت صحف «البعث» و«الثورة» و«تشرين» تبدو نسخاً متطابقة، تمجّد السلطة، وتختلف في تفاصيل هامشية كالكلمات المتقاطعة والأبراج. أما الصحف العربية والدولية، فكان وصولها خاضعاً لرقابة انتقائية: تُمنع كثيراً، وتصل أحياناً، وربما تصل منقوصة الصفحات، وفق قرار ضابط أمن لا يعرفه أحد، يحدد ما يُقرأ وما يُحجب. في ذلك السياق، لم يكن الخروج عن السردية الرسمية مجرد مخالفة مهنية، بل مخاطرة فعلية، فالصحفي لم يكن ينتج محتوى، بل يتحرك ضمن مساحة مرسومة سلفاً، ومن يحد عنها يواجه عواقب قاسية. وشكّل هذا الواقع، الممتد منذ عهد حافظ وصولاً إلى عهد بشار، البنية التي تشكّل إطار عمل جيل كامل من الصحفيين السوريين.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة إلى حدٍّ ملموس، فالمشهد الإعلامي يشهد اتساعاً في هامش التعبير، وتنوعاً أكبر في الآراء، مع تراجع القيود المباشرة على العمل الصحفي، وأصبح طبيعياً أن تقرأ أو تشاهد صحفياً ينتقد أداء الحكومة أو الرئيس نفسه. ويأتي ذلك في سياق توجهات تبنتها الحكومة السورية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تعمل على إعادة تنظيم القطاع الإعلامي وتطويره بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة.

وانعكس هذا التوجه في مراجعة عدد من التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي، وإيقاف العمل ببعض القوانين المقيدة، إلى جانب السعي إلى تطوير الأطر التنظيمية والمهنية، ومن ذلك إصدار «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026».

وفي هذا السياق، أشار وزير الإعلام، حمزة المصطفى، إلى أن هذا التطور في التصنيف العالمي يتقاطع مع الخطة الإستراتيجية للوزارة، التي انتقلت من مرحلة «التأسيس وتأكيد الحضور» إلى مرحلة «الفاعلية والتنظيم والتواصل».

كما يعكس هذا التحسن الدور المتنامي للصحفيين السوريين، داخل البلاد وخارجها، في نقل الواقع وتطوير المحتوى الإعلامي، مستفيدين من هامش أوسع للعمل، ومن خبرات تراكمت خارج سوريا خلال سنوات الثورة، كثير منها تشكّل في بيئات إعلامية أكثر انفتاحاً.

وعلى الرغم من أهمية هذا التقدم، لا يزال الوضع الذي يطمح إليه الصحفيون في طور التشكّل، فالتقدم في المؤشرات الدولية لا يعني بالضرورة ترسيخ حرية الصحافة، بل يشير إلى اتجاه إيجابي يحتاج إلى تثبيت، فحرية الإعلام لا تُقاس فقط باتساع هامش التعبير، بل بمدى تحصينه قانونياً ومؤسسياً، ولا تُختبر في لحظات الانفتاح بل في لحظات التوتر، عندما يقترب الإعلام من مراكز القرار، ويطرح الأسئلة الأكثر حساسية.

وتبرز في المرحلة المقبلة أهمية بناء بيئة إعلامية مستقرة عبر توفير الأرضية لاستقلال مؤسسي فعلي، وضمانات قانونية واضحة، وإعادة تعريف العلاقة بين الإعلام والسلطة على أسس مهنية، بما يحول هذا الإنجاز من حالة ظرفية إلى قاعدة راسخة.

لا شك أن ما تحقق عام 2026 خطوة مهمة ضمن مسار أوسع لتطوير القطاع الإعلامي في سوريا، لكنه لا يمثل نقطة وصول، بل محطة ضمن مسار مستمر، يتطلب عملاً مؤسسياً متواصلاً، لضمان ترسيخ حرية الصحافة كركيزة أساسية في بناء إعلام وطني مهني، يعكس تطلعات السوريين ويواكب تحولاتهم، ويكون شريكاً في التنمية وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع.