غاب الحوار في المنزل، فأتت المخدرات والأمراض النفسية والعقلية، وأتى الإرهاب.
كل ذلك قد يحدث بسبب التعنت في فرض الرأي، ورفع الصوت بسبب ودون سبب في المنزل، وبسبب أننا ندير منازلنا بتضييق الحوار، وأعني هنا الحوار الذي يدار بين الوالدين وأبنائهم، حينما يطالب الابن بإيجاد مساحة شخصية لنفسه، يتحدث فيها بأمان، ودون أن يجابه بالصراخ في وجهه بسبب رغبته الجامعية أو نتائجه الدراسية أو اختيار سيارته، إلى كل تفاصيل حياته الشخصية، حتى توجهت أجيال مكبوتة من أقرب الناس لها إلى مساحات التحدث الإلكترونية في برنامج «تويتر» و«كلوب هاوس». أجيال بشرائح متعددة، منها المثقف ومنها المضطهد ومنها الجاهل، ومنها المتخفي والمتصيد، لاقتناص الفرص، ومعظمهم باتت هذه البرامج هي متنفسهم الوحيد للتعبير والتحدث نتيجة غياب الحوار.
في إحدى المساحات الخاصة بـ«تويتر»، انضم طالب، عمره أربعة وعشرون عاما، في سنته الجامعية الأخيرة، وطلب التحدث بعد إلحاح شديد الرجاء، ليقول إن هذه أول مشاركة له فيما يعرف بـ«مساحة تويتر»، ثم قال: أرجوكم اسمعوني.. أنا أعاني نفسيا وعقليا بسبب غياب الحوار مع أسرتي، وبسبب فارق الاتساع المعرفي والثقافي بيني وبين والديّ اللذين لم يتعلما من أصول التربية إلا الصراخ والصوت العالي والعين الحمراء، ولا يريدان أن يتعلما غيرها. كما تعلما الجهل والأمية.. تكلمت معهما كثيرا عن حقوقي وحريتي في الخروج، وممارسة الحياة الشخصية بلغة تناسب مستوى إدراكهم، وفي اليوم التالي أحضر ليّ والدي شيخا، يقرأ عليّ، وبخرت والدتي غرفتي بمساحيق وأعشاب، ضاق من رائحتها الكريهة صدري، حتى اختنقت، ولازمني السعال، ثم بعد ذلك قالوا عني: مسكون، وهذا الجني عالق في حنجرتي. وحتى ينصرفوا عن هذه الطقوس، بادرتهم بالشكر، لأنهم ساعدوني في التخلص من الجني. وفي أول حوار بعد استشعارهما شفائي، عاد كل شيء كما كان.. أيام وأشهر وأنا أراني كما أنا، وأرى الأيام متشابهات مثل سلسلة متصلة تلف حول رقبتي، حتى أصبحت أصبر نفسي بأني في غربة وفي محطة قطار، وأن هذا الوضع مؤقت. استكمل الطالب حديثه في المساحة، حتى قال: أنا لا أملك كل يوم مقدرة اليوم الذي يسبقه، وأشعر بأن مقدرتي على التحمل في تناقص.. كل يوم أشعر بأني مثل مجرم مطلوب، يتخفى ويتهرب، خوفا من كل سلطة، حتى ملأ الخوف والحذر قلبي.. الخوف من إنشاء حوار عقيم، نهايته صراخ وبخور، وحالي كل يوم مثل حال ممثل مسرحي في أول أدواره على المسرح، يترقب العيون والآذان
التي تحيط به من كل مكان، ويخشى أن يزل لسانه بما لا يريده المخرج، فيطرد ويهاجم وينكل به، ولعل أفضل دور يومي أجيده على هذا المسرح هو دور «الأخرس»، الذي يشعرني بالاطمئنان. أنهى الشاب الجامعي حديثه، وأنا في ذهول!. أيعقل أن غياب الحوار، والاختلاف النوعي لأطرافه يمكن أن يفعل ذلك!؟.
وفي إنصاتي للمساحة، تدخل الكثيرون، لإبداء الحلول، وكان أول المتدخلين من فئة يبدو ليّ أنها تحاول أن تجعل لنفسها مكانة للوصاية على المجتمع بمسمى «مستشار أسري»، إذ بدأ المستشار يؤنب هذا الشاب الغارق في همه، ويصفه بـ«العاق»، ثم تداخل آخر على أنه طبيب نفسي، واقترح عليه استخدام بعض المهدئات والمكملات، وأن يتواصل معه تواصلا فيه شيء من الخصوصية، لإعطائه بعض أسماء الحبوب، على افتراض أنه طبيب، وليس موزعًا لأحد تجار الحبوب التي تستهدفنا، وتداخل آخر، ليأتي له بالحل المبين، فقال له: لقد استنتجت من حديثك أن ذبذباتك معاكسة لذبذبات والديك، وإن طاقة منزلكم تحتاج إلى تنظيف، سأعطيك أسماء كتب للبرمجة العقلية، تقودك إلى التشافي. استمرت المداخلات، منهم المحرض والمعارض، ومنهم المستجوب الفضولي، الذي يريد أن يتحقق عن اسم وعائلة ومدينة هذا الشاب، لينشر قصته في برامج أخرى، أشهرها الـ«واتس آب».
وأنا نفسي أُصبتُ بحيرة، كيف نوجه الحل للمشتكي، ونعتبره متضررا دون أن نسمع الطرف الآخر، الذي قد يكون الأولى بالنصيحة، وبتوعية تتناسب مع حجم إدراكه ومعرفته وسلطته!. هذه الفئة ليست بالقليلة، ولا يمكن أن نحصر وعيها بالمستوى التعليمي، فكم من أسرة أمية اتسع صدرها بالحوار مع أبنائها، وكم من أسرة على قدر من العلم ألغت الحوار، وصادرت آراء أبنائها. برأيي، إن تأسيس الحوار الحضاري مشروع يبدأ من الأسرة، وهذا المشروع يفضل أن يكون تربويا وإعلاميا، تتبناه الدولة، فتضع النقاط على الحروف.
كل ذلك قد يحدث بسبب التعنت في فرض الرأي، ورفع الصوت بسبب ودون سبب في المنزل، وبسبب أننا ندير منازلنا بتضييق الحوار، وأعني هنا الحوار الذي يدار بين الوالدين وأبنائهم، حينما يطالب الابن بإيجاد مساحة شخصية لنفسه، يتحدث فيها بأمان، ودون أن يجابه بالصراخ في وجهه بسبب رغبته الجامعية أو نتائجه الدراسية أو اختيار سيارته، إلى كل تفاصيل حياته الشخصية، حتى توجهت أجيال مكبوتة من أقرب الناس لها إلى مساحات التحدث الإلكترونية في برنامج «تويتر» و«كلوب هاوس». أجيال بشرائح متعددة، منها المثقف ومنها المضطهد ومنها الجاهل، ومنها المتخفي والمتصيد، لاقتناص الفرص، ومعظمهم باتت هذه البرامج هي متنفسهم الوحيد للتعبير والتحدث نتيجة غياب الحوار.
في إحدى المساحات الخاصة بـ«تويتر»، انضم طالب، عمره أربعة وعشرون عاما، في سنته الجامعية الأخيرة، وطلب التحدث بعد إلحاح شديد الرجاء، ليقول إن هذه أول مشاركة له فيما يعرف بـ«مساحة تويتر»، ثم قال: أرجوكم اسمعوني.. أنا أعاني نفسيا وعقليا بسبب غياب الحوار مع أسرتي، وبسبب فارق الاتساع المعرفي والثقافي بيني وبين والديّ اللذين لم يتعلما من أصول التربية إلا الصراخ والصوت العالي والعين الحمراء، ولا يريدان أن يتعلما غيرها. كما تعلما الجهل والأمية.. تكلمت معهما كثيرا عن حقوقي وحريتي في الخروج، وممارسة الحياة الشخصية بلغة تناسب مستوى إدراكهم، وفي اليوم التالي أحضر ليّ والدي شيخا، يقرأ عليّ، وبخرت والدتي غرفتي بمساحيق وأعشاب، ضاق من رائحتها الكريهة صدري، حتى اختنقت، ولازمني السعال، ثم بعد ذلك قالوا عني: مسكون، وهذا الجني عالق في حنجرتي. وحتى ينصرفوا عن هذه الطقوس، بادرتهم بالشكر، لأنهم ساعدوني في التخلص من الجني. وفي أول حوار بعد استشعارهما شفائي، عاد كل شيء كما كان.. أيام وأشهر وأنا أراني كما أنا، وأرى الأيام متشابهات مثل سلسلة متصلة تلف حول رقبتي، حتى أصبحت أصبر نفسي بأني في غربة وفي محطة قطار، وأن هذا الوضع مؤقت. استكمل الطالب حديثه في المساحة، حتى قال: أنا لا أملك كل يوم مقدرة اليوم الذي يسبقه، وأشعر بأن مقدرتي على التحمل في تناقص.. كل يوم أشعر بأني مثل مجرم مطلوب، يتخفى ويتهرب، خوفا من كل سلطة، حتى ملأ الخوف والحذر قلبي.. الخوف من إنشاء حوار عقيم، نهايته صراخ وبخور، وحالي كل يوم مثل حال ممثل مسرحي في أول أدواره على المسرح، يترقب العيون والآذان
التي تحيط به من كل مكان، ويخشى أن يزل لسانه بما لا يريده المخرج، فيطرد ويهاجم وينكل به، ولعل أفضل دور يومي أجيده على هذا المسرح هو دور «الأخرس»، الذي يشعرني بالاطمئنان. أنهى الشاب الجامعي حديثه، وأنا في ذهول!. أيعقل أن غياب الحوار، والاختلاف النوعي لأطرافه يمكن أن يفعل ذلك!؟.
وفي إنصاتي للمساحة، تدخل الكثيرون، لإبداء الحلول، وكان أول المتدخلين من فئة يبدو ليّ أنها تحاول أن تجعل لنفسها مكانة للوصاية على المجتمع بمسمى «مستشار أسري»، إذ بدأ المستشار يؤنب هذا الشاب الغارق في همه، ويصفه بـ«العاق»، ثم تداخل آخر على أنه طبيب نفسي، واقترح عليه استخدام بعض المهدئات والمكملات، وأن يتواصل معه تواصلا فيه شيء من الخصوصية، لإعطائه بعض أسماء الحبوب، على افتراض أنه طبيب، وليس موزعًا لأحد تجار الحبوب التي تستهدفنا، وتداخل آخر، ليأتي له بالحل المبين، فقال له: لقد استنتجت من حديثك أن ذبذباتك معاكسة لذبذبات والديك، وإن طاقة منزلكم تحتاج إلى تنظيف، سأعطيك أسماء كتب للبرمجة العقلية، تقودك إلى التشافي. استمرت المداخلات، منهم المحرض والمعارض، ومنهم المستجوب الفضولي، الذي يريد أن يتحقق عن اسم وعائلة ومدينة هذا الشاب، لينشر قصته في برامج أخرى، أشهرها الـ«واتس آب».
وأنا نفسي أُصبتُ بحيرة، كيف نوجه الحل للمشتكي، ونعتبره متضررا دون أن نسمع الطرف الآخر، الذي قد يكون الأولى بالنصيحة، وبتوعية تتناسب مع حجم إدراكه ومعرفته وسلطته!. هذه الفئة ليست بالقليلة، ولا يمكن أن نحصر وعيها بالمستوى التعليمي، فكم من أسرة أمية اتسع صدرها بالحوار مع أبنائها، وكم من أسرة على قدر من العلم ألغت الحوار، وصادرت آراء أبنائها. برأيي، إن تأسيس الحوار الحضاري مشروع يبدأ من الأسرة، وهذا المشروع يفضل أن يكون تربويا وإعلاميا، تتبناه الدولة، فتضع النقاط على الحروف.