ماجد الجريوي

تتنوع وتختلف الأزمات فمنها ما يتلون بلون سياسي والبعض يتوشح بالاقتصاد، والكثير منها يحيط بنا اجتماعيا وعاطفيا ونفسيا. ومع الأسف ولأننا بشر فهذا يعني أن الأزمات مستمرة حتى قيام الساعة وهذه هي سنة الحياة. ولكن ما يجعل الأزمة محدودة التأثير باختصار هو التعامل معها بشكل وقائي وتجاوزها بأقل الأضرار.

هناك العديد من الأمور التي يجب مراعاتها عند إدارة الأزمة من شفافية ووضوح مع أصحاب المصلحة، وتقليل الخسائر والاهتمام بصحة وأرواح الناس، والحفاظ على خصوصياتهم. هذه الممارسة الأمثل لإدارة الأزمات، بدأت تأخذ منحنى آخر مع زيادة اعتمادنا وتعمقنا في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث دخلت معايير أخرى على تصنيف الأزمات وتقييمها. ولأن شبكات التواصل -بطبيعة الحال- هزت من وقار الخصوصية بالمجمل، فالأزمات طالها ما طال تفاصيل حياتنا الأخرى من تجاوز الحدود والأخلاقيات.

في الأزمة الأخيرة -ولعلها مثال واضح يفسر الفكرة- وقف العالم على مساحة واحدة من الترقب والتعاطف مع حادثة الطفل ريان رحمه الله. الذي جمع العالم حوله دون أن ينطق بحرف، بمجرد سقوطه في الحفرة، ذلك المشهد المؤسف والمؤلم وما صاحبه من ساعات وأيام من الانتظار المرهق، قبل أن تكتب له النهاية الحزينة بوفاته، لتنقل روحه الطاهرة من باطن البئر إلى أطراف السماء.

في هذا الحدث أظهرعدد من وسائل الإعلام ما يتوجب عليها من إطار مهني، من متابعة الحدث ومستجداته أولا بأول رغم محاولة البعض من تلك الوسائل انتهاك خصوصية الطفل، خصوصا في مراحل الحفر الأخيرة، فالتسابق على أولوية الخبر يعتبر أمرا محمودا وإيجابيا في وسائل الإعلام، ولكن التسابق على معلومات متواترة وغير واضحة لا يعدو عن كونه استخفافا بالمتلقي واللعب على وتيرة مشاعره وترقبه، فالأزمة لا تحتاج لرأي متابعين يمتهنون التحليل فجأة، وهذا ما دعا الأنظمة للتدخل ومنعهم من ذلك. مما يعطي درسا مهما في كيفية تغطية الأحداث، وما هي المساحات التي تمنع وسائل الإعلام من تخطيها، وهو ما يعرف بأخلاقيات المهنة ومساحة الخصوصية.

الأزمات عموما في جانبها المظلم، من انعدام احترافية واللامهنية، تمتزج بعدد من العناصر، أولها الاستغلال حيث يستمرئ البعض ويظهر جانبه الأناني باستغلال الأزمة لصالحه وبشكل شخصي. فشاهدنا البعض بدأ يبيع تيشيرتات عليها صورة الطفل ريان! والآخر منهم يتظاهر بأنه أحد والدي الطفل ليحصل على زيادة متابعين أو لجمع تبرعات وكسب أموال. ثم يأتي العنصر الثاني من البعض وهو اللوم. يبدأ يلوم من تسبب في الحفرة، ثم إهمال الأهل وعدم جدية الجهات المعنية للإنقاذ. ثالث العناصر التشفي، وكأنه سعيد بما حدث فقط لأنه من جنسية معينة، أو أصحاب الأزمة لا يشبهونه ولا يحبهم. والأبشع أن يبرر هذا التشفي واللوم والاستغلال ويضع له قائمة من الأعذار، وهو ما يختصر العنصر الرابع. أما العنصر الأخير فهو المقارنة بحالات مشابهة في بقاع أخرى من العالم، وكيف تم التعامل معها بمثالية.

كما أن إدارة الأزمات فن، فتعاطينا الأخلاقي مع الأزمات فن يظهر إنسانيتك، تكسب وافخر بمنجزاتك بعيدا عن أزمات وانكسارات الآخرين.