تغريد الطاسان

رغم أن فئة الشباب تمثل أكثر من ثلث عدد السكان في المملكة العربية السعودية، فإن هذه الأكثرية لا تعني أن نغفل عن فئة كبار السن، فكل المؤشرات المستقبلية تشير إلى أن عددهم سيزداد، وبالتالي ستزداد نسبتهم بالنسبة إلى مجموع السكان، وهذا الأمر يتماشى مع ما يشهده العالم من زيادة كبيرة في أعداد المسنين في الفترة من 2015 - 2030، مما جعل كثيرًا من المؤسسات العالمية والأمم المتحدة تدعو إلى الاهتمام والعناية بهذه الفئة الغالية والاستفادة من طاقاتهم واستثمارها مما يجنبهم أن يكونوا فريسة لليأس الذي يجعلهم عبئًا على أنفسهم وعلى من حولهم.

مجتمعاتنا الإسلامية وموروثاتنا القيمية أدركت ذلك وحثت عليه، قبل أن تدعو الأمم المتحدة أو غيرها إلى الاهتمام بالمسنين والمبادرة إلى العناية بهم، حيث أوصى الإسلام منذ بداية انتشاره بالاهتمام بكبار السن بشكل عام، وبالوالدين بصفة خاصة. فمن المعروف أن الإسلام هو أول من عرف بما يسمى بدولة ومجتمع الرعاية، فطالما حثت الشريعة الإسلامية وأكدت على روح التكافل الاجتماعي وقيم التلاحم وصلة التراحم في المجتمع، وذلك من خلال الأنظمة والأسس والمنطلقات والمبادئ التي تؤكد ضرورة العمل على رعايتهم وتلبية احتياجاتهم، بما يحقق لهم حياة كريمة وآمنة.

وانطلاقًا من المبادئ الإسلامية السمحة في العناية بهذه الفئة التي أفنت حياتها بالعطاء والتضحية، فقد أولت المملكة اهتماما خاصًا لكبار السن وحرصت على رعايتهم وخدمتهم على أكمل وجه، حيث نصت المادة السابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم على أن تكفل الدولة حق المواطن وأسرته، في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي، وتشجع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية. وترجمة لذلك وضعت المملكة إستراتيجية لرعايتهم من خلال إنشاء دور الرعاية وتقديم عناية خاصة بهم، إضافة لصرف مخصصات شهرية لهم، كما أنشئت لجنة وطنية لهم تتولى وضع الخطط والمشروعات الوقائية والبرامج التوعوية الهادفة إلى تلبية متطلباتهم، كذلك إنشاء قاعدة بيانات تخدمهم. أيضًا استكملت الحكومة مسحًا ميدانيًّا لمناطق المملكة كافة، تم فيه حصر الخدمات المقدمة لهذه الفئة من القطاعات المختلفة الحكومي والخاص، بهدف جمعها في دليل ليسهل معرفة الخدمات المتوفرة وأماكنها لكبار السن وذويهم وتصنيفها.

ومقابل كل هذا الاهتمام الحكومي، نجد أنفسنا وبكل أسف على المستوى الفردي والأسري والاجتماعي أمام أخطاء كبيرة نقع فيها في التعامل مع كبار السن، تتمثل في نظرتنا لهم على أنهم فئة غير منتجة ومهمشة وغير قادرة على العطاء، في الوقت الذي علينا فيه أن نعتني بهم كجزء من رد الجميل وذلك بأن نشعرهم بقيمة أنفسهم، وأن المجتمع ما زال يقدرهم وينتظر عطاءهم، باعتبارهم طاقة بناءة وثروة حقيقية يمكن استثمارها، عطفًا على ما يملكونه من الخبرة والتجربة الغنية التي تنفع الأجيال التي تتبعهم، وهذا بدوره يعود بمنافع صحية ونفسية كبيرة على المسنين، وفي الوقت ذاته ينفع ويخدم مجتمعهم ويحقق تنميته وتطوره.

خلاصة القول.. نحن جميعًا مطالبون بتوجيه مزيد من الرعاية والاهتمام لفئة كبار السن، والعمل على تلبية حاجاتهم المختلفة حفظًا لحقوقهم في العيش الكريم الآمن، وبرأيي أن الاهتمام بهذه الفئة لا يقتصر فقط على توفير متطلباتهم الأساسية، كالخدمات الصحية والإيواء والمتابعة الطبية والإرشادية فقط، بل يشمل مراعاة ظروفهم ومتطلباتهم الخاصة وإشراكهم ودمجهم في المجتمع وإسناد أعمال تتناسب مع إمكاناتهم ومقدرتهم الجسدية والذهنية، علاوة على توفير الأندية والمؤسسات الاجتماعية الخاصة التي تعينهم على الاستقرار النفسي وتساعدهم في التغلب على مشاكل العجز التي قد يتعرضون لها في هذه المرحلة من أعمارهم، إضافة إلى تقديم الخدمات والبرامج الترويحية والتثقيفية والتأهيلية الترفيهية المختلفة لرفع روحهم المعنوية، وأيضا إشراكهم في تقديم المساعدات ونقل الخبرات لمن هم أقل منهم عمرًا، بشكل تطوعي لإعطائهم القيمة المعنوية التي يستحقونها في المجتمع، فضلًا عن تعزيز مشاركتهم في الحياة الثقافية والعمل على إكسابهم ثقافات أخرى توسع مداركهم الفكرية، وتزيد من حصيلتهم المعرفية كذلك يجب توفير البيئة المناسبة لتسهيل تواصل المسّنين مع أصدقائهم، خاصة رفاق الشباب، وتذكيرهم بمرحلة قوتهم، وعنفوانهم، لمساعدتهم على استعادة ثقتهم بأنفسهم.

وعلينا أن نضع بعين الاعتبار أن ليس للعمر رقم يقف عنده العطاء.. وأن كل ما في الأمر أن لكل سن خصائص يجب مراعاتها ليكون الجهد متناسبًا مع ظروف العمر لتتحقق جودة حياة اجتماعية مترابطة، لا فجوات سن ولا ثقافات مجتمعية أو فكرية ناتجة عنها.