بندر الشهري

تظل أزمة السكن الهاجس الأكبر الذي يشغل بال كثير من العائلات السعودية، ولا زالت هذه المشكلة المزمنة تؤرق العديد من الأسر طيلة الفترة الماضية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات الحكومية المختصة، وتعدد المحاولات لإيجاد حلول ناجعة تعين العائلة السعودية على تملك منزلها، وإيقاف النزيف المتواصل لميزانياتها والذي تتسبب فيه تكاليف الإيجار التي تتزايد يوما بعد آخر، لا سيما خلال السنوات الأخيرة للدرجة التي أصبحت تستهلك غالبية دخل الأسرة.

وللقضاء على تلك المشكلة يبرز خيار التمويل الذي يظل الحل الأمثل للغالبية العظمى، لأن الأسعار الحالية المرتفعة للعقار يستحيل مقابلتها بالادخار، خصوصا مع ارتفاع تكلفة المعيشة وتعدد أوجه الصرف وتزايد الاحتياجات.

ومع التسليم بالجهود المقدرة التي تبذلها وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان خلال الفترة الماضية لمساعدة الباحثين عن تملك المنازل في الحصول على التمويل المطلوب، والذي كان له الأثر في تحقيق حلم العمر للكثيرين، لكن المتابع لمسيرة عمل الوزارة يصطدم بأن مبلغ الدعم الذي تقدمه الوزارة ظل- إلى درجة كبيرة – ثابتا رغم الارتفاع الكبير في أسعار العقار أو تكلفة البناء والتشييد نتيجة لزيادة أسعار مواد البناء وتضاعف تكلفة العمالة، مما جعل ذلك الدعم لا يكفي على الإطلاق لإنجاز المهمة المطلوبة.

حتى الزيادات التي طرأت على مبالغ التمويل كانت طفيفة ولا تتناسب على الإطلاق مع الارتفاع المتزايد للعقار أو تكلفة البناء، فالدعم الذي كانت قيمته قبل عشرات السنين في حدود 300 ألف ريال ارتفع إلى 380 ألفا قبل أن يصل مؤخرا إلى 500 ألف ريال، لا يكفي الحد الأدنى لشراء عقار مناسب حالياً في مدينة الرياض مثلاً أو لبناء هيكل المنزل، ناهيك عن تشطيبه وتجهيزه للسكن، وهذه الزيادات تجعل الدعم السكني مجرد خطوة بسيطة في سبيل الحصول على منزل مستقل.

الفرق الكبير بين قيمة الدعم والتكلفة الفعلية للعقار أو البناء، ويتفاوت بين المدن بحيث يتضاعف في المدن الكبيرة مثل الرياض وجدة والدمام، وتزداد صعوبة التملك مقارنة بالمدن الأصغر والقرى، وهو ما لم يتم أخذه في الحسبان، حيث كان من المنطقي أن يزيد مبلغ الدعم لساكني المدن الرئيسية عن سكان المناطق الأخرى ووفقاً لما يتناسب مع أسعار العقار لكل المناطق.

حالياً هناك خطط لزيادة نسبة تملك الأسر لمساكنها لتصل إلى 70 % بحلول 2030، حسبما أقرته الرؤية في محور المجتمع الطموح، وهو ما يعني إضافة 1.2 مليون وحدة سكنية، لذلك ارتفعت الآمال باتخاذ إجراءات أكثر فعالية لتحقيق هذا الهدف.

السبيل إلى القضاء على هذه المعضلة يتمثل في وجهة نظري في العديد من الخطوات التي يتوجب قطعها بالتسلسل، بدءا من رفع مبلغ الدعم إلى ما لا يقل عن مليون ريال دفعة واحدة لمن يرغب في تملك العقار، ومثلها للبناء الذاتي، ولكن يتم صرفه للمستحقين على دفعات، مع اتخاذ التدابير كافة، التي تضمن عدم ارتفاع سعر العقار أو مواد البناء حال تم رفع قيمة الدعم، والهدف من رفع قيمة الدعم لسد الفجوة بين سعر العقار وقيمة الدعم في الوقت الراهن.

كذلك البدء بالمرحلة الثانية من رسوم الأراضي البيضاء، ولا بد من زيادة تقديم منح الأراضي للمواطنين، وإيصال الخدمات لها، وتفعيل وسائل النقل العام والمواصلات للأحياء الطرفية والجديدة، ومراقبة الارتفاع المتواصل في مواد البناء، وإيقاع العقوبات بالمستغلين والانتهازيين وغير ذلك.

ويجب أن نعي أن أسعار العقار والبناء أصبحت تفوق القدرة الشرائية للأسرة ويستحيل معها تملك مسكنها، وهو ما يتطلب استحداث وسائل للتفكير غير التقليدي للقضاء على المشكلة.