مريم النويمي

حينما يعاين الطبيب مريضه، بتشخيص حالته، ترتسم في ذهنه كثير من المصطلحات التي تعلمها في كلية الطب، وتلك التي مارسها طوال سنين تخصصه ليختار أفضلها تعبيراً عن الحالة، وأكثرها دقة. ولكن كثيرًا ما يقع الطبيب في الحيرة والتردد بالذات لو كان التشخيص غير سار، ويحمل في طياته كثيرًا من المتاعب والصعاب المتوقعة، عندها يلجأ لإاستخدام تعبير أقل وطأة، وأكثر لطفًا، ولسان حاله يقول (إنني لا أكذب ولكنني أتلطف).

الترجمة الدقيقة للمرض قد تحير الطبيب، فيختار الوصف أكثر من الاسم وهذا جيد، لأن الأسماء لا تعبر دائما عن ماهية المرض، فأحيانا يكون اسم الطبيب الذي اكتشفه أو المنطقة التي ظهر فيها، مثل «داء بهجت»، اسم الطبيب التركي الذي اكتشفه خلوصي بهجت، و«داء كاواساكي» وهو مرض يصيب الأطفال، و سمي بذلك نسبةً لطبيب الأطفال الياباني الذي اكتشفه توميساكو كاواساكي. ومعظمنا سمع بحمى البحر الأبيض المتوسط ، نسبة للمنطقة التي تكثر بها.

في هذه الأمراض الوصف أبلغ من الاسم، لأن الاسم انتسابًا وليس معنى. ما يعاني منه الأطباء مع بعض مرضاهم، هو إنكار مرضهم، وعدم اعترافهم به، أو البحث عن مسمى أبسط لمرضهم.

مثلًا يطيب للبعض تسمية مرض الربو، بحساسية الصدر، كلمة ربو تبدو مخيفة وتوحي بأنه شيء مزمن، بينما مصطلح حساسية الصدر، تعكس أنه مجرد تحسس بسيط، رغم نوبات ضيق التنفس والسعال التي تصيبهم عدة مرات في السنة، إلاّ أنهم يؤمنون بأن هذا مجرد حساسية صدر، فلا يحتاجون مراجعة المستشفى إلا عند حدوث نوبة ضيق التنفس، ويكتفون بأخذ علاجات للحالة الطارئة، وبمجرد تحسنهم يعودون لسابق عهدهم، بينما علاج الربو مختلف تمامًا، بحيث الهدف هو منع حدوث الأزمة ذاتها، وهذه هي مهمة العلاج الوقائي، فتقل مرات حدوث الأزمة وتقل زيارة أقسام الطوارئ لتلقي العلاج الطارئ.

إذا تكرر حدوث ضيق التنفس أو السعال المستمر مع النشاط أو في الليل وساعات الصباح الأولى، فهذا يسميه الطب ربوا وليس حساسية صدر، التسمية الصحيحة تضمن العلاج الصحيح واتخاذ المحاذير المناسبة.

عادة لا يحب المريض أن يعترف بأن لديه مرض مزمن، بالذات في بداية التشخيص لأن هذه صدمة. عادة ما يتحول هذا الإنكار إلى القبول بعد ذلك، لكن المشكلة لو استمر الانكار! فقد يمنع هذا الإنكار الشخص من الحصول على المساعدة، مثل العلاج الطبي أو المشورة، أو التعامل مع المشكلات التي لها عواقب خطيرة محتملة على المدى الطويل.

مفهوم الناس الخاطئ عن بعض الأمراض يعيق العلاج، هناك مفردات تثير الرعب والخوف في النفس، لأن الناس يربطونها بالموت، فمثلاً الناس تقول (الخبيث)، وآخرون يقولون (المرض اللي ما يتسمى)، كناية عن مرض السرطان.

هذه المفردات التي يتداولها الناس، مقلقة بحد ذاتها ولها نظرة سوداوية وكئيبة، وربما هذا ما تنشره الأخبار والمسلسلات والأفلام، التي كثيرا ما تفشل في صياغة سيناريو طبي صحيح، بينما هناك في المجتمع أمثلة كثيرة تشخصت وتعالجت وتعافت. لذلك كان هناك أطباء مختصون وعلاجات ومراكز مختصة.

معرفة حقيقة المرض والاعتراف به، خطوة مهمة من أجل العلاج والتعافي، وعلى الطبيب أن يركز في لغة التعبير والكيفية التي يُخبر بها مريضه عن مرضه بكل شفافية، وبكل لطف، فالشفافية لا تتعارض مع اللطف. اقترح زيادة تدريب طلاب الطب والأطباء المتدربين على كيفية التواصل مع المرضى، ورفع مستوى وعيهم بأهمية ذلك في علاج المريض.