تغريد الطاسان

منذ سالف العصر والأوان وإلى الآن، في كل زمان ومكان، لم تكن المجتمعات البشرية يومًا في أمان مطلق من المشكلات الاجتماعية أو الانحرافات الفكرية أو العقائدية، ولا من غيرها، ولكن كل هذا لم يكن يتجاوز دائرة محيطها الضيق، مغلفة بغلاف سميك من السرية التي لا يمكن أن يجاهر بكشف سترها الفرد أو الجماعة الصغيرة، لأن ذلك سيجر فاعلها إلى حفرة النبذ الاجتماعي. وفي بعض الدول والمجتمعات قد يعرض الانحراف صاحبه للمساءلة القانونية الموجبة لعقوبات مختلفة. مع تطور المجتمعات، وذوبان حدود التواصل بينها الذي أصبح يتم بسرعة لمسة إصبع لشاشة صغيرة ملتصقة بكل يد، تمازجت الثقافات وارتفع سقف الحريات، وعلت الأصوات المجاهرة باختلافها وتمردها عقائديًا أو فكريًا أو سياسيًا، أو حتى في تمردها على طبيعة الجسد وفطرته. الإلحاد كفكر فلسفي ينكر وجود الخالق -عز وجل- لم يكن غائبًا في يوم من الأيام، إلا أنه كان مستترًا خلف أقنعة خاصة في مجتمعاتنا الإسلامية، المجاهرة به كانت شبه مستحيلة، لأنها تهلكة تردي بصاحبها إلى قاع النبذ والإقصاء والمساءلة التي قد تكلفة حياته.. ولكنه الآن بدأ يظهر على السطح، مستخدمًا الحريات كمكبر صوت يلفت نظر أصحاب هذا الفكر ليجتمعوا على منابر منصات التواصل المختلفة، لطرح فكرهم كقضية...!. والغريب أنه أصبح مصدر فخر بعد أن كان وصمة عار، لدرجة أننا أصبحنا نرى كثيرًا عبارة proud to be atheist مترجمة للعربية (فخور أني ملحد) والعياذ بالله. هذه المجاهرة المستجدة، تضعني كمسلمة سعودية غيورة على دينها ومجتمعها وثوابته الدينية أمام سؤال ملح، لماذا يلحدون؟، ولماذا أصبح نمو هذا الفكر يتصاعد في عالمنا العربي؟. ولأن الأمر محير، كان علينا أن نكون جريئين في طرح هذا السؤال الشائك الذي يتخوف من طرحه الكثيرون باعتباره أحد التابوهات التي يحظر الاقتراب منها، خشية إثارة مراكز علامات الاستفهام في العقل، مما يسهل للمتربصين تمرير أفكارهم الشاذة، مما قد يضعف العقيدة ويبعد العقول والقلوب عن موانئ الإسلام الآمنة !. من وجهة نظري المتواضعة -التي تحتمل الصواب والخطأ- أرى أن طرح هذه الأسئلة التي قد تبدو للبعض ملغومة، يعتبر أحد الأمور التي حثنا عليها ديننا الإسلامي الحنيف. فالإسلام دين عقل وبحث وعلم وإقناع (أفلا يتفكرون، أفلا يتدبرون، أفلا يعقلون، إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وغير ذلك من الآيات الكريمة التي تحث على تغذية العقل بالمعرفة، حتى يصبح العلم والوضوح والجرأة، الإجابة عن استفهامات الإدراك، درعًا واقية للعقل، تحميه بعد الله من السرقة أو الانقياد أو التمرد بالإلحاد. البحث عن مواطن الخطر والتحذير منها، بدأنا فيه ولله الحمد، لأننا شعب حباه الله بقيادة بلغت من درجات الحكمة أعلاها، لذلك كانت إعادة النظر في بعض المناهج الدراسية، وهذا كان أول طرق الوقاية، وإقرار الفلسفة في المناهج، مما يحفز العقل على التفكير الإيجابي، ما يجلي الضباب عن كثير من غموض الفكر الذي قد يجر العقل إلى مستنقع الإنكار. وعلينا ألا ننسى أو نتجاهل مواكبة الشغف عند الأجيال الجديدة من خلال توفير سبل المعرفة السريعة، من خلال البرامج الجديدة والأجهزة الذكية، لأن بيانات الشجب والاستنكار والمنع من أجل الوقاية لم تعد مجدية في زمن الثورة الرقمية، في مواجهة الخطر الذي يلوح في الأفق، خاصة للمراهقين والشباب. لذا علينا استحداث برامج قادرة على التحدث بلغة العصر، تستعيد ما ضاع، وتؤصل ما بقي من القيم الروحية، وتزرع الضمير الحي والقلوب الوسطية المتعلقة بالله، والقادرة على كشف فخاخ الفكر المنصوبة لاصطياد عقول شبابنا. أيضًا علينا الحذر من أسئلة الملحدين الشائكة التي ينثرونها على أرضية مواقع التواصل، لتجرح براءة عقول بسيطة محدودة التجربة والثقافة، غير ملمة بالقضايا الإشكالية التي اختلط فيها الدين بالتاريخ بالموروث، فأحدثت لبسًا في النصوص والتأويل، وفتحت أبوابًا تسهل دخول أصحاب الأجندات. الإلحاد غربي المنشأ دخل إلينا مع ظهور الجماعات المتشددة، وولادة الإسلام السياسي الذي مارس الإرهاب باسم الدين، عزز ذلك الربيع العربي في العصر الحديث، بكل ما اندس وسط أحداثه من دعوة للإلحاد صراحة، بحجة أن الأديان تدعو إلى العنف والجهل والإرهاب. أضف إلى ذلك تنامي التيارات الفكرية المادية القائمة على نقد الأديان، والكتب المرسخة لهذا الفكر، وإقبال كثير من الشباب عليها دون فهم لأهدافها وأبعادها الفلسفية والفكرية. أخيرًا وليس آخرًا.. الإلحاد آفة زاحفة، شبابنا ليس بمأمن منها، ما لم نفتح قلوبنا وعقولنا لاحتوائهم.. علينا ألا نحدد نسل أفكارهم، بقدر ما نحتويها ونوجهها نحو الاتجاه الصحيح الذي يجعلهم قادة فكر لا منقادين.