محمد غنيمي هلال

علوم اللغة عند أرسطو هي المنطق أو لخطابة والشعر. وهي الفنون القولية. وهي من مستلزمات العمل والنتاج، وليست مجرد كلام يصاغ لذات التكلم. والفرق بين استعمال اللغة لغاية علمية واستعمالها لغاية عملية أساسه العلم هو أنها في الحالة الأولى أقيسة وبراهين للوقوف على خصائص الأشياء الثابتة لها، وفي الحالة الثانية يقصد منها الإثارة لعمل الخير أو التعبير عن آثاره. وتمتاز الفنون والآداب مع ذلك بأسسها الفنية الجمالية. وفنون اللغة نفسها ذات مناهج مختلفة تبعًا لغاياتها المختلفة فالمنطق تعرف به الأقيسة والبراهين، ومميز به صحيحها من فاسدها، وما هو جوهرى مما هو عرضى فهو يشارك العلوم النظرية والعلمية في ميادينها المختلفة. وممتاز عنها بأن مادة موضوعه غير محددة.

ولذا تختلف طرق البحث فيه عن طرق البحث في كل منها. وللخطابة صلة قوية بالمنطق. فهي مثله غير محددة الموضوع، وبه تنظم حججها وأقيستها، ولكنها تختلف عنه في غرضها وهو الإقناع، إذ أنها لا تبحث عن الحقائق في ذاتها على حسب ما وصل إليه العلماء والمتخصصون، بل تبحث في كيفية تقديم مجموعة من الحقائق إلى جمهور خاص على نحو ينتج عنه أكبر أثر مراد، فيقف الخطيب بها على ما يمكن أن يكون له من أثر في الجمهور، وبذا لا يقتصر على أداء موضوعه بعبارات مساوية له، بل يقصد إلى إقناع جمهوره الخاص بمختلف وسائل الإقناع.

ويقتضى ذلك النظر في أجزاء الخطابة، ونظامها بحيث تلائم جمهوره.

ثم ينظر أرسطو إلى الخطابة بعد ذلك من الناحية الفنية في الأسلوب ودقته ومطابقته لملابسات الجمهور.

وللشعر صلة بالخطابة من ناحية المقولة والأسلوب، على ما بينهما من فروق في الوحدة الفنية وفي النظم. وللشعر كذلك صلة بالعلوم، لأن غايته المعرفة، وهي عن غاية العلوم النظرية والعملية.

والشعر في جوهره يمكن أن يكون عمليًا في أثره في أخلاق الناس، وعلميًا في شروحه لمنطق الحوادث، فيمكن النظر إليه لذلك باعتبار نتائجه العملية العملية والعلمية.

وقد عالج أرسطو الشعر من الناحية التربوية في کتاب السياسة، ودرس مواقف الشعراء وما يسوقون من حكم خلقية في كتاب الأخلاق Nicomachean Ethics، كما تحدث عن ناحية الشعر الميثولوجية في كتابه في الميتافيزيقا.

ويمكن تقويم الشعر بعد ذلك بوحدته الخاصة أو بأثره في الجمهور، أو بمحاكاته للأعمال والأشياء الطبيعية. والنظر إليه في ذاته هو ما يسميه أرسطو: «لذاته الخاصه به»، أي ما يثيره من أثر في الجمهور. ولا بد أن يكون هذا الجمهور على علم وخبرة بتقويم خصائص الأثر الفنى. ومن الناس من لا يتأثرون إلا بصفات عارضة للشعر، وبالظروف التي نظم فيها.

والبحث عن مثل هذه التأثرات دون ربطها بخصائص الشعر ذاته قد يزودنا معلومات عن جمهور خاص. ولكن هذه المعلومات لا تدخل في صميم العمل الفنى. والنظر إلى الشعر في ذاته ـ من الناحية الفنية – يقتضى النظر فيا تألف منه من أحداث، وما عبر عنه من شخصيات وأفكار، وما حاكي من شؤون الطبيعة والحياة، لا بوصفه تقريرًا عما حدث في الماضي أو تحدث في الحاضر، بل بوصفه تعبيرًا فنيًا له طبيعته الخاصة التي لا تتوقف على مراعاة وقائع التاريخ.

وبهذا كله كانت اللغة - عند أرسطو ـ من مقتضيات الحياة المدنية ومستلزماتها.

وكما نشأت بفضلها العلوم لدراسة طبيعة الإنسان والأشياء، فساعدت على وجود الحياة المدنية، نشأت كذلك الفنون عامة وفنون القول خاصة لتؤثر في العادة والفكر، فتتوافر التربية الصالحة.

وقد ينظر إلى العمل الفني في ذاته للذاته الخاصة به، كما يبحث في العلم، لا للإحاطة بوسائل خاصة بغية استخدامها لغرض خاص، ولكن يبحث فيه للذة البحث، ولأنه خاصة الإنسان التي يمتاز بها عن سائر الحيوان، ولكن اعتبار العلوم والفنون لذاتهما لا غناء فيه، ولا يصح أن يصرفنا عما يمكن أن تؤثر به في الحياة المدنية، وعما تكشف عنه من جلاء الحقائق وتهيئة وسائل الخير، وتثبيت دعائم الخلق وفي هذا تتلاقى العلوم والفنون في غاياتها، بالرغم من اختلافها فيما بينها. على أن فنون الأدب من الشعر بأنواعه، ومن الخطابة، مختلفة كذلك فيما بينها في طبيعتها وخصائصها الفنية.

1954*

*باحث وأكاديمي مصري «1917 -1968».