ماجد الجريوي

بعد أن رحب كابتن الطائرة بجميع الركاب وأعطاهم المعلومات المتعلقة بالرحلة، من مدتها ووجهتها وغيرها من التفاصيل. بدأت المضيفات والمضيفون توزيع السماعات والمناديل الترحيبية للركاب. وما أن أقلعت الرحلة وانتصفت في قلب السماء، حتى عم الهدوء والسكينة رغم عدد الركاب الكبير، ورغم أن جميع شاشات المقاعد الكثيرة التي تعمل جميعها بلا أصوات، بسبب عدم وجود مكبرات صوت فيها. تأملي المشهد جعلني أتساءل: كيف اتفقوا جميعا على هذا الهدوء، ولماذا يتكلمون بهمس مع بعضهم البعض من أجبرهم على ذلك؟

حجم الطائرة مقارنة بعدد الركاب أجبر الجميع على الالتزام بقواعد الآداب العامة قدر الإمكان، هذه المساحة الضيقة الممنوحة لك، والتي تتحرك وفق نطاقها بجانب غرباء لا تعرفهم، تتطلب منك مراعاة حركتك وعدم ملامسة من هو بجوارك، فضلا عن إصدار أصوات وتحركات مزعجة. المشهد كان مثاليا فقط في السماء!

فالبشر في الأرض مختلفون تماما في آدابهم العامة، الآداب التي كانت في السماء يبدو لي أن دوافعها نفسية ومجتمعية، مختلفة عن الآداب العامة في الأرض. فعلم النفس يقول (إن الحيز المكاني يفرض على الموجودين في المساحات الضيقة جهدا عاليا من الاحترام ومراعاة الآخرين، حتى لو كانوا لا يرغبون في ذلك). لكن شخصيا لا أعتقد أن هذه الفكرة دقيقة، فصالات الانتظار في الأماكن العامة، وتحديدا في العيادات والمستشفيات تعج بمن لا يراعي الذوق العام. بل يجعلك صوتيا تعيش معه حالته، فتسمع كل ما يسمع بهاتفه بكل تمرد وبجاحة. فمن ملاحظات صوتية، مرورا بمقاطع فيديو متناثرة في أرجاء شبكات التواصل الاجتماعي، إلى الاحتراف بالتبجح والدخول في مساحات صوتية ونقاشات!

هل الفرق بين الأرض والسماء كان المساحة والحيز المكاني؟ أم كان بتوزيع سماعات لكل راكب، تكتم أصوات الشاشات بالإكراه، أم عدم جود إنترنت في هواتف الركاب؟ هذه التساؤلات تهربت من أن تقترن بإجابة واضحة، وجعلتني أسير في نفق مظلم حتى وصلت لنقطة واحدة وهي (الأنانية الفطرية). فرغباتنا الداخلية تجعلنا في حالة هذيان عقلي تحرمنا من التفكير فيمن حولنا ومراعاة مشاعرهم. فنتصرف بلا وعي، مركزين على ما نشاهد ونسمع فقط. وهذه العلاقة مرتبطة ارتباطا طرديا مع مستوى التعليم، وتجارب الحياة والحس الإنساني. فقد يكون الشخص متعلما ولديه العديد من تجارب الحياة، لكن حسه الإنساني أضعف من أن يجعله يراعي مشاعر الآخرين. مراعاة مشاعر الآخرين حس إنساني رفيع، من يصله يبلغ أسمى درجات الآداب العامة، وهي نقطة قوة في عالم العلاقات الإنسانية.