جرى حديث بين الشيطان وإيفان في رواية (الإخوة كرامازوف) للقصصي العظيم دوستوفسكي فقال الشيطان لإيفان: يجب أن تشك وتجحد، فبدون الشكوك والجحود لا نقد. وبدون النقد كيف تنقع وتهذب. إذا توارى النقد لم يبق إلا (أوصانا) وهذا لا يكفي. يجب أن نضع التقريظ والنقد في كفتي الميزان. ومع ذلك فما أنا الذي احترمت النقد، لست أنا تيس الخطيئة يجب أن انتقد «لأن النقد أصل الحياة».
أما تورغنيف الروائي العظيم الآخر فيقول في روايته (الأرض البكر)، أين النقد في روسيا، عندنا بعض شبان يريدون أن ينتقدوا، فإذا أرادوا أن يبرهنوا أن الدجاجة تبيض مرروا عشرين صفحة لإظهار هذه الحقيقة... وقد لا يظهرونها كما يريدون. إذا صدقنا سكورو بيكين قلنا كل إنتاج قديم هو كالعدم، أو لا شيء، لأنه قديم وإذا كان الأمر كذلك صارت الفنون كالأزياء، ولا لزوم للتحدث عنها بجد، إذا لم يكن في الفن شيء دائم لا يتغير، مثل العلم، فليأخذه القرد. نعم إن قواعد الفن صعب اكتشافها كقواعد العلم، ولكنها موجودة، ومن ينكر وجودها فهو أعمى. لا شيء أقوى فينا من الشيء الذي يبقى فينا، ويظل كسر معلق لا تفهم منه إلا القليل. هذا رأي الشيخين الروسيين الخالدين، أما أنا، ولا ادعاء، فأرى النقد لا يعدو ثلاثة أنواع ، فهو إما بعث، وإما نشر وتحنيط، وإما قبر.
أمامي الآن كتابان في الشريف الرضي، والشريف الرضي أشهر من أن يعرف، فهو شاعر بعيد مرامي الكلم، كبير الهم. إن بيت المتنبي الذي قاله عن نفسه:
وقوادي من الملوك وإن كان لساني يرى من الشعراء
يصح في الشريف الرضي لا في إلى الطيب. إنه ملك حقًا،
ومستقره في حنايا القلوب الكبيرة لا القصور الرفيعة العماد. أما الكتابان فواحد للدكتور زكي مبارك، وواحد للدكتور محفوظ. فلنقل إذن الشريف، رضي الله عنه، بين دكتورين، ولكن لا، فالأستاذ مبارك، كما يتضح من الكشف الذي على الجزء الثاني من كتابه (عبقرية الشريف الرضي)، أكثر من دكتور، هو دكتور في الآداب من جامعة باريس، ودكتور في الآداب من الجامعة المصرية مرتين، فقد حيرني هذا فقلت: ترى صارت الدكتوراة كبعض الأوسمة.. تمنح مرتين! وكيفما دارت الحال بالدكتور مبارك فهو كاتب ملهم، كما يعير زميله ومعلمه الدكتور الآخر، فكرت قبل أن أفتح كتابه أن أثني ثناء طويلًا مريضًا على كتبه الفخمة، فالرجل، بارك الله في عمره، سود وحبر من الصفحات ما يعز على عشرة من فطاحل الكتاب أن يسوده. وفيما أنا أفتش عن كلمة نفي بها قسطًا من الديون المستحقة، فتحت الكتاب بدون انتباه فوقعت عيني على أول صفحة فاستغنيت عن كلامي بكلمته هو، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
أما النقد الذي توعد به الشريف الرضي. أو وعده. فيما وقعت على إثر له في الكتاب. إلا إذا كان ما قاله الدكتور مبارك نقدًا في نظر غيري.
1945*
* ناقد وكاتب لبناني «1886-1962».
أما تورغنيف الروائي العظيم الآخر فيقول في روايته (الأرض البكر)، أين النقد في روسيا، عندنا بعض شبان يريدون أن ينتقدوا، فإذا أرادوا أن يبرهنوا أن الدجاجة تبيض مرروا عشرين صفحة لإظهار هذه الحقيقة... وقد لا يظهرونها كما يريدون. إذا صدقنا سكورو بيكين قلنا كل إنتاج قديم هو كالعدم، أو لا شيء، لأنه قديم وإذا كان الأمر كذلك صارت الفنون كالأزياء، ولا لزوم للتحدث عنها بجد، إذا لم يكن في الفن شيء دائم لا يتغير، مثل العلم، فليأخذه القرد. نعم إن قواعد الفن صعب اكتشافها كقواعد العلم، ولكنها موجودة، ومن ينكر وجودها فهو أعمى. لا شيء أقوى فينا من الشيء الذي يبقى فينا، ويظل كسر معلق لا تفهم منه إلا القليل. هذا رأي الشيخين الروسيين الخالدين، أما أنا، ولا ادعاء، فأرى النقد لا يعدو ثلاثة أنواع ، فهو إما بعث، وإما نشر وتحنيط، وإما قبر.
أمامي الآن كتابان في الشريف الرضي، والشريف الرضي أشهر من أن يعرف، فهو شاعر بعيد مرامي الكلم، كبير الهم. إن بيت المتنبي الذي قاله عن نفسه:
وقوادي من الملوك وإن كان لساني يرى من الشعراء
يصح في الشريف الرضي لا في إلى الطيب. إنه ملك حقًا،
ومستقره في حنايا القلوب الكبيرة لا القصور الرفيعة العماد. أما الكتابان فواحد للدكتور زكي مبارك، وواحد للدكتور محفوظ. فلنقل إذن الشريف، رضي الله عنه، بين دكتورين، ولكن لا، فالأستاذ مبارك، كما يتضح من الكشف الذي على الجزء الثاني من كتابه (عبقرية الشريف الرضي)، أكثر من دكتور، هو دكتور في الآداب من جامعة باريس، ودكتور في الآداب من الجامعة المصرية مرتين، فقد حيرني هذا فقلت: ترى صارت الدكتوراة كبعض الأوسمة.. تمنح مرتين! وكيفما دارت الحال بالدكتور مبارك فهو كاتب ملهم، كما يعير زميله ومعلمه الدكتور الآخر، فكرت قبل أن أفتح كتابه أن أثني ثناء طويلًا مريضًا على كتبه الفخمة، فالرجل، بارك الله في عمره، سود وحبر من الصفحات ما يعز على عشرة من فطاحل الكتاب أن يسوده. وفيما أنا أفتش عن كلمة نفي بها قسطًا من الديون المستحقة، فتحت الكتاب بدون انتباه فوقعت عيني على أول صفحة فاستغنيت عن كلامي بكلمته هو، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
أما النقد الذي توعد به الشريف الرضي. أو وعده. فيما وقعت على إثر له في الكتاب. إلا إذا كان ما قاله الدكتور مبارك نقدًا في نظر غيري.
1945*
* ناقد وكاتب لبناني «1886-1962».