بزغت شمس المالح في «آسفي» الأطلسية، تلك المدينة التي لم تكن مجرد حيز جغرافي، بل كانت مختبرا عريقا للتعايش الإنساني، ونقطة تلاق تجاري وثقافي صهرت بين جناحيها المغاربة بمختلف مشاربهم. نشأ المالح في كنف عائلة يهودية تتحدر من أصول أمازيغية ضاربة في القدم (قبيلة آيت عمران في سوس)، وهو ما رسخ لديه شعورا عميقا بالتجذر في التربة المغربية، شعورا يسبق في قدمه وصول أي وافد أو مستعمر.
كانت طفولته سيمفونية من أصوات متداخلة.. فبين ترانيم «البيعة» العبرية وأصوات المآذن التي تعانق سماء المدينة، تشكل وعيه الأول. كانت «الدارجة» المغربية هي لسان حاله في البيت والزقاق، بينما كانت اللغة الفرنسية نافذة فرضها السياق الاستعماري. ولم تكن نشأته في «الملاح» (الحي اليهودي) تجربة انغلاق أو عزل، بل كانت انصهارا وجدانيا، حيث كان الجار المسلم يتقاسم مع جاره اليهودي رغيف الخبز والمسرات والأوجاع.
لم تكن ذاكرة «الملاح» مجرد حنين، بل غدت حصنا منيعا ضد النسيان، لم تنجح عقود المنفى في زعزعته.
المناضل الشرس والانفجار الأدبي
لم يرتض المالح لنفسه أن يكون مثقفا يعيش في صومعة من عاج، بل انغمس في أتون النضال الميداني، فانخرط في صفوف الحزب الشيوعي المغربي منذ الأربعينيات من القرن الفائت.. كان مدفوعا بإيمان لا يتزعزع بأن التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي هو الفريضة الوطنية الأولى التي تذوب أمامها الفوارق الدينية.. وبفضل حسه النقدي وثقافته الموسوعية، تدرج في المراتب حتى صار عضوا فاعلا في المكتب السياسي، مخلفا وراءه إرثا من العمل السياسي الذي لا يهادن.
بيد أن المنعطف الدرامي في حياته تجسد في انتفاضة مارس 1965 في الدار البيضاء، إذ شكل القمع الذي طال المتظاهرين والمثقفين شرخا في حلمه بمغرب ديمقراطي بعد الاستقلال... وأمام انسداد الأفق، لم يجد المالح بدا من اختيار المنفى الطوعي في فرنسا في العام 1965، حاملا معه جراحه السياسية وخيباته، من دون أن يفرط في ذرة من مبادئه الأخلاقية.
عاش المالح في باريس أكثر من ثلاثة عقود، عمل خلالها أستاذا للفلسفة وصحافيا في «لوموند»، لكنه ظل غريبا عن «البرجزة» الباريسية، محتفظا بـ«مغربيته» كدرع واق. وفي سن الثالثة والستين، حين يميل الآخرون للسكون، فجر المليح ثورته الأدبية المتأخرة بنشر روايته الأولى «المجرى الثابت» (1980).
لم يكن هذا التأخر نضوبا، بل كان نضجا اختمر على نار هادئة. لقد أجرى المالح عملية «جراحية» مذهلة للغة الفرنسية.. فلم يكتب بها كأداة للتبعية، بل حطم قوالبها الكلاسيكية وحقنها بإيقاعات «الدارجة» المغربية ونفس الروح العربية... كان يكتب بفرنسية «يسكنها» المغرب، فخرجت نصوصه للفرنسيين كغريب مدهش، وللمغاربة كصوت حميمي قادم من أعماق الذاكرة الجماعية. توالت بعدها أعماله كشهادات حية: «ألف عام بيوم واحد»، «عودة أبو الحكي»، و«حقيبة سيدي معاشو»... وكلها دارت في فلك البحث عن الإنسان المغربي في تعدديته وجماله الصرف. فلسطين قضيته الوجودية
في المشهد الثقافي العالمي، قد يتخذ البعض من فلسطين موقفا سياسيا للمزايدة، أما عند إدمون عمران المالح، فقد كانت فلسطين قضية وجودية وأخلاقية تنبع من جوهر هويته كيهودي مغربي. لم ير في دفاعه عن الحق الفلسطيني تضامنا مع الآخر، بل اعتبره دفاعا عن نقاء اليهودية التي دنسها الفكر الصهيوني، ودفاعا عن انتماء عربي ومغربي لا يقبل القسمة على اثنين.
كان المليح من أشرس المناهضين للصهيونية، واصفا إياها بأنها مشروع اقتلاع لليهود من جذورهم الطبيعية في أوطانهم الأصلية لتحويلهم إلى أدوات استعمارية. رفض طوال حياته أن تطأ قدماه أرض إسرائيل، مؤمنا بأن قيام كيان على أنقاض شعب آخر، هو خطيئة تتنافى مع قيم التعايش التي تعلمها في أزقة الصويرة وآسفي. في كتابه «فلسطين كأمل»، شرح كيف دمرت الصهيونية النسيج المجتمعي في المشرق والمغرب، وهو الموقف الذي كلفه تهميشا مقصودا في المنابر الفرنسية، لكنه منحه خلودا وسؤددا في قلوب الشرفاء عبر العالم.
العودة والوصية
في العام 1999، قرر المليح أن يختم رحلة «المجرى الثابت» بالعودة النهائية إلى المغرب. لم تكن عودة للتقاعد، بل كانت مصالحة كبرى مع الأرض. اختار مدينة الصويرة (موكادور) لتكون مستقرة، وهي التي رآها دائما رمزا كونيا للتسامح. وفي هذه المدينة التاريخية تحول عمران المالح إلى مرجع فكري للأجيال الشابة، ونال جائزة الاستحقاق الوطني في احتفاء رسمي وشعبي بمسيرة لم تلوثها المغانم.
كان المالح يصحح بصرامة من يطلق عليه وصف «اليهودي المغربي»، مؤكدا أن المواطنة المغربية هي المبتدأ، واليهودية هي الخبر العارض. كان يرى المغرب لوحة فسيفساء متكاملة، إذا سقطت منها قطعة (أمازيغية، يهودية، أو عربية) تشوهت اللوحة وضاعت ملامحها.
في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، ترجل الحكيم عن صهوة الحياة عن عمر يناهز 93 عاما. وتنفيذا لوصيته دفن في المقبرة اليهودية في مدينة الصويرة، ليبقى جسده قريبا من صخب الموج الأطلسي الذي لطالما كان يناجيه.
إدمون عمران المليح ليس مجرد كاتب، بل هو الموقف الذي تجسد في جسد، والكلمة التي تحولت إلى نضال. لقد علمنا أن المثقف الحقيقي هو من يكتب بلغة الآخر ليغزو بها وعيه، ومن يثبت أن العدالة لا تتجزأ، فمن ناضل ضد الاستعمار في مغربه، لا يمكن إلا أن يكون نصيرا للمستضعفين في فلسطين وفي كل أرض. المغربي الفلسطيني
لو قدر لنا أن نخط البورتريه النهائي لهذا الحكيم، لوجدنا أنفسنا أمام وجه لم تحفره التجاعيد، بل نحتته مسارات التاريخ وتقلبات العصور.. وجه يحمل في قسماته ملامح مدينة آسفي، وعمق منطقة سوس، وهيبة حاضرة الصويرة... نرى عينين لم ينل منهما الرمد ولا الإعياء، ترفضان الانخداع ببريق الشعارات، وتحدقان في جوهر الحقيقة العارية... ونسمع صوتا يتهدج بالوداعة ويهمس بالحكمة، لكنه في موازين الحق يزلزل أركان الباطل ويقض مضاجع الزيف الإيديولوجي.
إن إدمون عمران المالح هو ذاك «المجرى الثابت» الذي لم تلوثه الانهيارات، والمثقف الذي برهن عمليا أن الهوية ليست جدرانا صماء أو سجنا ضيقا، بل هي أفق كونوي يتسع باتساع الروح الإنسانية في كليتها.
ولعل المخرجة المغربية سيمون بيتون قد لامست شغاف هذه الروح في فيلمها الوثائقي «الحاج عمران».. حيث لم توثق مجرد سيرة رجل، بل أرخت لذاكرة مغربية حية.. ففي ذلك العمل، يتجلى لنا «الحاج» كما كان يلقبه المحبون في دروب الصويرة، لا كأديب ومناضل فحسب، بل كوجدان مغربي أصيل، ونبض فلسطيني صادق، وإنسان آمن حتى الرمق الأخير بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الوفاء للأرض هو أسمى مراتب الوجود.
لقد رحل عمران المالح، لكنه بقي «مجرى ثابتا» يروي بصدقه يباس الأزمنة الرديئة.
* كاتب من المغرب
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.