يروى أنَّ الطبيب جبريل بن بختيشوع كان يحضر بعضَ دروس أبي هلال العسكري في اللغة والبلاغة، وفي يومٍ ما تأخر في الحضور فسأله أبو هلال لِمَ تأخرت؟ فقال: كنتُ أعترف عند القسّ نظيف بن يُمَن، فقال له: وما الاعتراف؟ قال: التوبة العلنية.

في تلك الأيام كان أبو هلال يؤلف كتابَه الفروق اللغوية، ويتأمل في الفرق بين الاعتراف والإقرار، فانتبه إلى شيء مدهش لو أضافه إلى كتابه لكان فتحًا مبينا، فكتب سؤالًا في أول الصفحة: ما معنى أن يقول العربي: «أنا أعترف؟» لمَّا عاد إلى بيته بحث وتأمل ولم يقنعه أي جواب، فعاد إلى طقوس المسيحيين في الاعتراف فلاحظ أنَّ طقوس النساطرة في الأهواز تختلف عمَّا سمعه عن مسيحيي الشام والإسكندرية؛ لهذا عزم على أن يجد ضالته في إيجاد المعنى المدهش للاعتراف عند العرب، فسافر إلى القدس وأنطاكية والإسكندرية، للبحث عن جواب، وكان ينوي إذا أجاب بما يُرضيه يذهب للحج، قبل عودته إلى مدينة عسكر. انطلق العسكري -عابرًا بغداد مع قوافل الشام- نحو القدس، ولما وصلها اتجه إلى باحات أديرة كنيسة القيامة، ليستمع إلى الرهبان، وهنا عرف سبب جلوس جبريل بن بختيشوع طالبا بين يديه مع أنَّ اهتمامه بالطب، تشابهت الأهداف الخفية، والمهم أنَّ أبا هلال لمَّا جالس رهبان القدس أيامًا وساءلهم اكتشف بُعدًا نفسيًا للاعتراف؛ فالحاضرون يأتون للاستشفاء بالاستغفار العلني، والمدهش أنَّ أبا هلال كان يُقابل المعترفين بعد أن يخرجوا من عند الرهبان، ويسألهم بماذا يشعرون؟ قال أحدهم: «إني أفضح أفكاري المظلمة، وشهواتي الخفيّة قبل أن تتحول إلى أفعال». سجّل في دفتره أنَّ شعار كنيسة القدس: (حرّك الفضيحة كي تسكن المعصية). رحل بعد ذلك متجهًا شمالًا عابرا الساحل الشامي حتى وصل إلى أنطاكية في عام 360هـ، وقد كانت مدعومة بسلطة الإمبراطورية البيزنطية، لهذا لاحظ أنَّ ملامح وجوه الرهبان مكفهرّة، ليس فيها سماحة رهبان القدس، وقد بحث عن ترجمان، لعله يفك مغاليق لغة البيزنطيين، فتوجه إلى مكتبة قُسيان الكبرى، ووجد فيها إبراهيم بن يوحنا الأنطاكي، يبحث في مسائل لاهوتية، وهو متقن للسريانية والبيزنطية ويعرف العربية، توطدت العلاقة بينهما، وعاش أبو هلال ضيفًا في بيت إبراهيم شهرا، وعرف أنَّ ما يسميه مسيحيو أهل المشرق استغفارا علنيا هو -في العرف البيزنطي- قصاص نظامي، أو هو كفارة قانونية، وأنَّ حق الاستماع للاعتراف محدود بطبقة من الكهنة، وليس لكل الرهبان، وأنَّ الإمبراطورية تُقيّد ضمائر الناس بالكنيسة، لأنَّ من يخون السماء بخطيئة فإنه سيخون الإمبراطور، وأنَّ الاعترافات سرية يُعاقب على إفشائها الكاهن، فسجل أبو هلال أنَّ شعار كنيسة أنطاكية (اعترف بأسرارك للكنيسة كي لا تخون الإمبراطورية)، ثم ودع إبراهيم وغادر على متن سفينة من ثغور الشَّام نحو الإسكندرية، ولما وصلها اتجه إلى الخان واكترى غرفةً ليستريح فيها ويغتسل، ثم خرج إلى إحدى كنائس المدينة، وصادف أن رأى شيخًا كبيرا انحنى ظهره من تعب السنين يتجه إلى كاهنٍ ويقف عند حجاب الهيكل ويتحدث طويلًا، والعجيب أنَّ الكاهن لا يقاطعه أبدا ولا يسأله شيئًا، ولما انتهى الرجل من اعترافاته، أخذ الكاهنُ المبخرةَ النُحاسيّة بسلاسلها الرنّانة ووضع فيها جمرًا وعليه قِطَع من اللبان، ولمَّا تصاعد البخور وضع الكاهنُ الصليبَ على رأس الرجل المنحني، وصلى طالبًا من الله أن يُحلَّ هذا المذنب من كل رباط. انعقدت دهشةٌ في فم أبي هلال مما رأى، ثم ابتسم وقال ببلاغته الساخرة: «انتقلت الخطايا من صدر هذا الرجل المُتعب إلى عهدة الكاهن، ثم رماها الكاهنُ في المبخرة لتتصاعد إلى السماء». كتب أبو هلال في دفتره: إنَّ شعار كنيسة الإسكندرية (دع الكاهن يحرق الذنبَ الثقيل كي يصير خفيفًا كالدخان). ولما عاد إلى الخان أشعل شمعةً وكتب: إنَّ الأقوام المسيحيين يجعلون مصدر معرفة الذنب سماويًا، وإنَّ الفرد لا يستطيع أن يحمله لوحده؛ لهذا يلقيه على كاهل الكاهن، وهذا يعني أنَّ الفرد في المدينة سيظل غريبا؛ لأنَّ الذنب لا يُكشف إلا بإرادة ذاتية، وهذا سبب أنَّ الإمبراطورية البيزنطية أسّست مفهوم الاعتراف السياسي لتجبر الأفراد على الاعتراف. وأما العرب فالاعتراف-عندهم- متعلق بالعرف، فهل إذا قال العربي: «أعترف» يعني أنه يقول: أنا أعرف أني أذنبتُ لأنَّ الجماعة تعترف به؟ يعني يُحوّل المعرفة من (إقرار) ذاتي إلى (اعتراف) جماعي؟ وما دام أنَّ الأقوام المسيحيّة تستدل بالاعتراف على الحقيقة التي وضعوها في السماء، فالعرب يستدلون بالاعتراف على المعرفة والعرفان، ومصدر معرفة الذنب لديهم أرضيٌّ لا سماوي، والاعتراف كسر للسرية المسيحية وخطيئتها، والانفتاح على الجماعة والاجتماع والعلن، فالعرف هو اسم الاعتراف عند العرب، وما العرف إلا ما تعارفت عليه النفوس واطمأنت إليه الجماعة من الخير والمعروف والصواب. وهذا يعني أنَّ الاعتراف هو الانضواء تحت الجماعة وما تعارفت عليه، ومن المدهش أنَّ أحد العرب الأوائل قد قال: «لا أعرف ذنبي إلا في الجماعة».

بعد هذه الرحلة الطويلة انطلق أبو هلال إلى مكة ليبلغها في حج عام 365هـ وهناك قابل أبا حيان التوحيدي، وأطلعه على نتائج تأملاته فقال التوحيدي أترى ذلك الأعرابي الذي عند الملتزم؟ لقد دعا الله قبل قليل قائلا: «لو عرفتُ اعتذارا من الذنب أبلغ من الاعتراف لأتيته، فهب لي ذنبي بالاعتراف، ولا تردني عن طلبتي عند الانصراف»، فكل رحلتك يا أبا هلال اختصرها الأعرابي بجملةِ اعترافٍ عند الملتزم.


التفاتة:

لما عاد أبو هلال إلى مدينة عسكر أكمل كتابه الفروق اللغوية وكتب: «الفرق بين الإقرار والاعتراف أنَّ الأول فردي، والآخر جماعي».