من جماليات اللغة العربية (كما هو الحال في لغات أخرى بالطبع) قدرة حرف واحد على تغيير معنى الكلمة تغييرًا جذريًا، يجعل الفارق بين الكلمتين المعنيتين بعيدًا، بعد الثرى عن الثريا. عقار وعمار كلمتان متضادتان متشابهتان في التركيب اللغوي متباعدتان في المعنى. العقر في معاجم اللغة يعني العقم وقطع أصل الشيء والبقاء في المكان. والأخرى تعني العكس تمامًا، إنها تعني إعمار الأرض بكل تفاصيل وأشكال صور الإعمار.

غير أن المثير في الأمر استبدال أحدهما بالآخر للدلالة على المعنى نفسه، رغم الاختلاف الجذري بينهما.

الحديث هنا عن دور «العقار» بمفهومه الدارج في تكوين التنمية العمرانية شكلًا ومضمونًا وآليات عمل. وفي ضوء اضطلاع العقار بدور رئيس في التنمية العمرانية فإن مفهوم التطوير العقاري بحاجة إلى إعادة تعريف لوضع الأمور في سياقها المناسب.


مفهوم التطوير العقاري يبدو لغويًا متناقضًا. فالتطوير ضد العقر، والذي يعني العقم ومرادفاته كما تفيد معاجم اللغة. وعلى أرض الواقع ونظرًا لكون المجتمع السعودي مجتمعًا شابًا، ولازدياد الطلب على الوحدات السكنية في ظل تقليص الإنفاق الحكومي على صندوق التنمية العقاري، فقد أصبح القطاع السكني برمته خاضعًا لمفهوم العقار جملة وتفصيلا.

العقار في مفهومه البسيط هو أصل ثابت بغرض التربح وقد طبق هذا التعريف على منتجات القطاع السكني، وأصبح هذا الأخير منتجًا عقاريًا صرفًا، لدرجة أن معارض البناء فيما يخص القطاع السكني تندرج تحت مظلة العقار وليس تحت مظلة البناء والإعمار، ناهيك عن أن تكون تحت مظلة العمارة وهي مكانها المناسب. ولأن التربح هو الهدف الأساسي في هذه العملية فقد تحول السكن إلى «مشاريع مرابحة» أكثر منه توفير مساكن ترضي شرائح المجتمع كافة.

هنا حدث التحول الكبير في عملية الإسكان وآليات تصميمه وإنتاجه وبيعه للناس.

والحديث عن العقار هو حديث عن ملكية الأرض وكيفية الحصول عليها. ونظرًا لارتفاع أسعار الأراضي لأسباب مختلفة، أصبح تقليص مساحات الوحدات السكنية معيارًا أساسيًا لملاك هذه العقارات، لكي يحققوا العائد الأعلى لمنتجاتهم. هذا المعيار ذاته هو في الوقت نفسه سبب عدم رضا المستفيدين من هذه المنتجات العقارية، نظرًا لصغر مساحات المنتج السكني مقابل سعره المرتفع، ناهيك عن مواصفات المنتج نفسه.

في هذا السياق يلاحظ في المدن الكبيرة انتشار المجمعات السكنية الكبيرة. الحديث هنا عن أحياء بكاملها وقد تحولت إلى بنايات من أربعة أو خمسة أدوار أو أكثر، على مساحات كبيرة. في هذه الأحياء والبنايات أصبحت الشقة هي المنتج الرئيس لهذا النوع من السكن. ولأن كلا من الشقة والبناية تخضعان لمفهوم العقار وآلياته، فقد أصبحت الشقة منتجًا عقاريًا يلبي رغبة العقاري أكثر منها منتجًا سكنيا يلبي حاجة الساكن.

من الناحية المعمارية، تبدو هذه البنايات، من الخارج، من بلوكات الشقق في معظمها مبهرة خصوصا ما بني على الأسلوب الحديث (مودرن). غير إن ذلك الإبهار سرعان ما يختفي في الداخل. هنا يكشف مفهوم التطوير العقاري عن نفسه. فالمساحات جد محدودة والإضاءة الطبيعية محصورة في فتحات ضيقة جدًا تجعل من الشقة مكانًا يبعث على الشعور بالضيق والاختناق.

هذه المنتجات ( الشقق) مخصصة للبيع، وهكذا تحول السكن (بيت العمر بالنسبة للساكن) إلى سلعه بفعل سيادة مفهوم العقار على قطاع السكن. بداية تحول المنتج المعماري من فيلا إلى شقة، لم يتم بناء على اختيار الساكن نفسه، ولكن التحولات التي شهدتها البيئة العمرانية فرضت هذا النوع من البناء كمنتج وحيد للسكن. وما يقال عن الشقق ينطبق أيضًا على البيوت شبه المنفصلة (الدوبلكسات) حيث تحولت أحياء بكاملها، إلى صفوف طويلة، منها ما هو ممتد بامتداد البصر، نسخًا مكررة من بعضها، وأصبح البيت مجرد رقم، ليس إلا. أما بيت العمر بالنسبة للساكن فقد أصبح مجرد حلم من الماضي.

ضمن هذه الآليات وفي هذه السياقات التي ترسخ مفهوم العقار في صناعة المنتج السكني، فإن رضى الساكن عن سكنه أو بيت عمره - ضمن ما هو متوفر- يبقى مؤجلا إلى أجل غير مسمى.