لا يريد رينان الاعتراف أن أرسطو بالنسبة لابن رشد ليس إلا (عينة تحت الدراسة) بمعنى أن ابن رشد يمارس أستاذيته تجاه أرسطو وليس العكس. أي أن الشعوب اليونانية (الآرية) كانت شعوبا تحت الدراسة بالنسبة للفقهاء. وهذه حقيقة تجرح كبرياء ونرجسية رينان صاحب نظرية «العرق الآري المتفوق».
ابن رشد ليس فيلسوفا ولا علاقة مباشرة تربطه بالفلسفة، فهو مجرد قاض وفقيه سلفي. وفي مقالتنا اليوم نرغب في توضيح الجانب السلفي في فكر ابن رشد من خلال كتابه «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الأمة». فهذا الكتاب على وجه التحديد يبرز الروح السلفية المحافظة عند ابن رشد ويقدمه بطابع ثقافي مغاير لما عهدناه عنه في الطرح الاستشراقي المتعصب.
في كتابه «مناهج الأدلة» يهاجم ابن رشد التأويل الكلامي المعقد عند الأشاعرة والمتكلمين والفلاسفة، ويدعو بصريح العبارة إلى الرجوع إلى ظاهر النص بطريقة أقرب إلى الفهم المباشر كما عهدناه في المنهجية السلفية. فهو ينتقد بصورة مباشرة التأويلات المعقدة التي لا دليل عليها التي تقدم لعامة الناس وتنشر الاضطرابات في العقيدة بينهم. ويصف هذه الممارسات التي انتشرت في عصره بتأويل النصوص تأويلا عقلانيا فلسفيا منفلتا بأنها (بدعية) ومحدثة ليست من طريقة السلف في عرض العقائد، وتدخل تعقيدات فلسفية/كلامية غير لازمة للجمهور.
حسب ابن رشد في «مناهج الأدلة» الخطاب الشرعي موجه أساسا لعامة الناس بلا استثناء، وأنه جاء بأسلوب بين وواضح يفهمه الناس دون تعقيد، ويؤكد أن النص كاف لعموم الناس، وهو هنا يعطي للنص سلطة مركزية في الخطاب العام، وينتقد تحويل النصوص إلى تأويلات فلسفية معقدة، وهذا يشبه الميل إلى إبقاء النص على ظاهره في الجملة. فالنصوص وفق تعبيره كافية لهداية عموم الناس.
النصوص المقدسة عنده ذات قوة دلالية وبيانية مباشرة وتحميلها تأويلات بعيدة عن سياقها يضعف هذه القوة، لذلك نجده يصف هذه الممارسات بأنها محدثة وليست على منهج السلف ويدخلها في إطار البدعة المنهجية. وكأنه يسعى لإعادة مركزية النص من خلال التأكيد على أن النص هو الأصل في فهم الشريعة وليس التأويل.
هناك تقاطعات عديدة في فكر ابن رشد مع أسلوب التفكير في المنهجية السلفية، ابن رشد حريص على وضوح العقيدة وحماية العامة ومنع الاضطراب في فهم النصوص، وهذا يقربه من المفهوم السلفي المعروف بـ«سد الذرائع». وإن كان ابن رشد لا يصرح بالمصطلح دائما ولكنه يشتغل بروحه بوضوح في باب العقائد. هو يرفض التأويلات الكلامية التي قد تكون مفهومة عند النخبة ولكنها تربك العامة لذلك يمنع نشرها وتداولها والتعاطي معها لا لأنها باطلة دائما بل لأنها تؤدي إلى اضطراب في فهم العقيدة. وهذا يتداخل منهجيا مع مفهوم «سد الذرائع».
ابن رشد في «مناهج الأدلة» يلتزم عمليا بأصول المنهج السلفي في باب الاعتقاد، ويقدم أفكاره من خلال نص واضح وتأويل مقيد ومنع للجدل الكلامي والفلسفي والاحتكام إلى طريقة السلف في فهم الشريعة، وإن لم يصرح بذلك بشكل مباشر، ولكنه بنيويا يقترب من المنهج السلفي.