في إحدى قاعات مؤتمر التخصصات الصحية الذي نظمته جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، وقف طالب طب أمام مريض افتراضي. لم يكن أمامه جهاز متقدم، ولا شاشة تعرض نتائج، أدواته أبسط مما نتصور: سؤال، إنصات، وملاحظة. بدأ يأخذ التاريخ المرضي بهدوء، يتتبع التفاصيل، يربط بين الشكوى والسياق، ثم انتقل إلى الفحص السريري بثقة لافتة. كان المشهد بسيطا... لكنه اختصر جوهر الممارسة الطبية.

ضمن فعاليات المؤتمر برزت مسابقة مسار المهارات السريرية كواحدة من أكثر اللحظات دلالة حيث عاد التركيز إلى ما يبدو بديهيا، لكنه لم يعد كذلك في كثير من الممارسات اليومية. هناك، لم تكن القيمة في عدد الفحوصات، ولا في سرعة الوصول إلى النتائج. القيمة كانت في القدرة على فهم المريض قبل تفسير بياناته.

في أحد المستشفيات الحديثة، حيث تتلألأ الشاشات وتعمل الأجهزة بدقة لافتة، كان كل شيء يسير بسرعة وكفاءة. يدخل المريض، تسجل علاماته الحيوية إلكترونيا، تطلب الفحوصات خلال ثوانٍ معدودة، وتظهر النتائج على الشاشة قبل أن ينتهي من وصف شكواه. بدا المشهد مثاليا... إلا من شيء واحد لم يجلس أحد ليستمع.


لم يكن هذا خللا في النظام كان انعكاسا لتحول أعمق. فبينما تتقدم التقنيات الطبية بوتيرة غير مسبوقة، يتراجع بهدوء أحد أقدم أعمدة الممارسة الطبية وهي مهارة أخذ التاريخ المرضي والفحص السريري. ما يحدث لا يشبه صداما بين القديم والجديد كون الصورة أقرب إلى تراجع صامت لما كان يجب أن يبقى ثابتا.

التاريخ المرضي لم يكن يوما مجرد مقدمة للفحوصات. في كثير من الحالات كان مفتاح التشخيص. وكذلك الفحص السريري لم يكن بديلا للتقنيات كان دليلا يرشد استخدامها. ومع ذلك تمارس هذه المهارات أحيانا بشكل شكلي، أو تختصر لصالح طلب فحوصات أكثر دقة من حيث الأرقام دون أن تكون أكثر عمقا من حيث الفهم.

في عصر الذكاء الاصطناعي، تتضاعف هذه الإشكالية. هذه الأنظمة على قوتها تعتمد على ما يقدم لها من معلومات. وعندما يكون التاريخ المرضي ناقصا أو الفحص السريري سطحيا، فإن المخرجات مهما بلغت دقتها التقنية تبقى محدودة بالسياق الذي بنيت عليه. التقنية لا تعوض ضعف الأساس، إنما على الأغلب ستضخمه.

وهنا يبرز دور كليات الطب بوصفها نقطة البداية. التحدي لم يعد في إدخال التقنية إلى التعليم الطبي فهذا أصبح واقعا لا مفر منه، التحدي الحقيقي في كيفية موازنتها مع ما لا يمكن استبداله. فالتاريخ المرضي والفحص السريري ليسا مهارتين تقليديتين يمكن تجاوزهما. هما الأساس الذي يبنى عليه كل ما يأتي بعد ذلك.

التقنية بما فيها الذكاء الاصطناعي يمكن أن توسع قدرات الطبيب وتسرع قراراته. في المقابل لا تستطيع تعويض غياب الفهم السريري. لذلك فإن إعادة الاعتبار للتدريب على المهارات السريرية من خلال الممارسة المباشرة والتغذية الراجعة الدقيقة والتقييم الحقيقي للأداء ضرورة جوهرية تمثل استثمارا في جودة الممارسة المستقبلية.

ليست القضية أن نختار بين طبيب يجيد استخدام التقنية وآخر يتقن مهاراته السريرية. القضية تتعلق بطبيب يعرف متى يستخدم كل أداة ومهارة وكيف يوازن بينها دون أن يفقد البوصلة. الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته «وهم الدقة». حين تتراكم الفحوصات وتتعدد المؤشرات، قد يبدو المشهد أكثر يقينا بينما يكون في الحقيقة أكثر ضبابية. فليس كل ما يبدو دقيقا... صحيح، وليس كل ما يقاس بالضرورة... مهم.

ومع مرور الوقت، لا يتغير فقط ما نستخدمه في التشخيص... يتغير أيضا ما نصبح عليه كأطباء. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا نريد أن نخرج؟ طبيبا يجيد تفسير النتائج، أم طبيبا يفهم المريض؟ والفرق بين الاثنين ليس بسيطا. الأول يتعامل مع المعطيات، والثاني يبني المعنى وهو جوهر المهنة.

الطب لم يكن يوما مجرد علم بيانات. كان وسيظل فنا في الإصغاء، ومهارة في الملاحظة، وقدرة على الربط بين ما يقال وما لا يقال. وإذا كان المستقبل يتجه نحو مزيد من التقنية، فإن الحفاظ على هذه المهارات يمثل ضرورة إستراتيجية.

لأن ذلك الطالب في قاعة المؤتمر... لم يكن يتدرب على مهارة قديمة. كان يتدرب على ما يجب ألا نفقده. لأن أخطر ما قد نبتكره في الطب... ليس تقنية جديدة. أخطر ما قد نصل إليه هو طبيب لم يعد يرى مريضه.