«جسمك حلو»، كلمتان قالهما سائق توصيل لفتاة، وانتهتا بسجنه عشرة أشهر، بحكم قضائي بعد أن اعتبرت المحكمة ذلك تحرشًا لفظيًا. القضية التي كشفتها إحدى الصحف المحلية لا تتعلق بحادثة فردية فقط، بل تعكس تحولًا واضحًا في نظرة القضاء والمجتمع إلى العبارات التي كان البعض يمررها سابقًا باعتبارها «كلامًا بسيطًا» أو «إعجابًا بريئًا».

المتهم قال إن عبارته كانت بدافع الإعجاب، وإنه كان ينوي التقدم لخطبة الفتاة لاحقًا، وليس التحرش بها. لكن المحكمة نظرت إلى الفعل نفسه، لا إلى التبرير الذي جاء بعده. فحين تكون فتاة داخل سيارة مع شخص غريب يؤدي خدمة يفترض أن تكون مهنية، فإن التعليق على جسدها لا يبدو مجاملة، بل تجاوزًا واضحًا لحدود العلاقة بين الطرفين.

هذه القضية تفتح نقاشًا أوسع حول العبارات التي تتكرر يوميًا في الشوارع، أماكن العمل، الأسواق، وعبر التطبيقات والرسائل الخاصة. هناك من لا يزال يعتقد أن التعليق على الشكل أو الجسد أمر بسيط، بينما يشعر الطرف الآخر بالانزعاج أو الخوف أو عدم الأمان، خصوصًا عندما يجد نفسه في موقف لا يستطيع إنهاءه فورًا.


المشكلة أيضًا أن كثيرًا من هذه العبارات لا يبلَّغ عنها رسميًا، إما بسبب الخوف من الإجراءات، أو لأن البعض يعتقد أن «الموضوع لا يستحق». لكن تراكم هذه السلوكيات الصغيرة هو ما يصنع بيئة غير مريحة، ويجعل البعض يتعامل مع التجاوزات اليومية باعتبارها أمرًا معتادًا يجب التعايش معه.

أهمية الحكم أنه يوضح أن التحرش لا يبدأ دائمًا من سلوك جسدي مباشر، بل قد يبدأ من كلمة. ولهذا جاء نظام مكافحة التحرش ليعالج الفكرة من جذورها، ويؤكد أن الألفاظ والإيحاءات غير المرغوبة قد تحمل أثرًا نفسيًا حقيقيًا حتى لو حاول قائلها وصفها بأنها مجرد مزحة أو إعجاب.

قطاع التوصيل يستحق هنا مراجعة أكبر، ليس لأن المشكلة مرتبطة به وحده، بل لأنه قطاع توسع سريعًا وأصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص. ومع هذا التوسع، يفترض أن يكون التركيز أكبر على السلوك المهني، والتدريب المستمر، والتأكد من أن العلاقة بين مقدم الخدمة والعميل تبقى ضمن حدودها الواضحة.

كذلك، لا بد من التعامل بجدية مع الشكاوى المتكررة، والتأكد من أن العقوبات داخل هذه المنصات رادعة بما يكفي لمنع تكرار مثل هذه السلوكيات، لأن القضية هنا ترتبط بثقة المستخدم وأمانه قبل أي شيء آخر.

الأهم اجتماعيًا هو إنهاء فكرة قديمة مفادها أن أي تعليق على المظهر يمكن تبريره بحسن النية. ليس كل إعجاب يجب التعبير عنه، وليس كل فكرة تستحق أن تُقال. هناك مساحة شخصية يجب احترامها، وهناك فرق واضح بين التفاعل الإنساني الطبيعي وفرض تعليق غير مرغوب فيه على شخص آخر.

ما تقوله هذه القضية ببساطة إن الاحترام يبدأ من اللغة، وإن كلمتين قد يراهما قائلهما عاديتين، قد تتحولان في نظر الطرف الآخر إلى انتهاك واضح... ثم إلى قضية أمام محكمة.