قد يبدو للوهلة الأولى أن المقارنة بين هذين المجالين غير منطقية من الناحية التقنية، وهذا صحيح جزئيًا. غير أن الغاية هنا ليست المقارنة المباشرة، بل استخلاص الدروس والعِبر: كيف يمكن للإنسان ذاته، وفي البيئة نفسها، أن يبدع ويقود عالميًا عندما تتوفر الجدية والانضباط، وأن يتراجع بشكل ملحوظ عندما يحضر التراخي والتكاسل وتغيب روح التطوير.
لنبدأ بقطاع الطاقة والنفط وهو ميدان بالغ التعقيد، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد بالتكنولوجيا. من شرق الأرض إلى غربها، هناك شبه إجماع على أن السعوديين هم قادة هذا القطاع بلا منازع. لم تقتصر ريادتهم على الإنتاج فحسب، بل امتدت إلى إدارة الأسواق، وضبط الأسعار، وتطوير التقنيات، وتحقيق كفاءة تشغيلية تُعد من الأعلى عالميًا، إلى جانب تكلفة إنتاج تُصنف ضمن الأدنى. الأهم من ذلك هو عنصر الموثوقية؛ فالمصداقية في الالتزام والقدرة على التنفيذ جعلا من الكلمة السعودية مرجعًا موثوقًا في سوق الطاقة العالمي.
ومع التحول نحو المفهوم الأشمل للطاقة وليس النفط فقط أثبتت المملكة مرة أخرى قدرتها على التقدم والريادة، حيث دخلت بقوة في مجالات الطاقة المتجددة، وحققت إنجازات جعلتها من بين الدول الرائدة في تقديم طاقة نظيفة بتكاليف تنافسية تُعد الأقل عالميًا. (ما زلنا نفخر بتنبئنا بمقال السماء في السعودية تمطر ذهبًا) قبل سنوات طويلةً، هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، وإدارة تنفيذية عالية الكفاءة.
وبالاستناد إلى لغة الأرقام والمؤشرات وهي المعيار الأكثر موضوعية تُعد وزارة الطاقة بين الجهات الحكومية هي الأولى والأعلى أداءً من حيث النتائج والإنجازات، وفق تقييماتنا السنوية ووفق معايير دقيقة. كما أن تأثير هذا القطاع لا يقتصر على ذاته، بل يمتد ليكون محركًا رئيسيًا لقطاعات أخرى، وعلى رأسها التكنولوجيا ومراكز البيانات، حيث تمثل الطاقة العمود الفقري لأي بنية تحتية رقمية متقدمة. ورغم محاولات بعض الجهات نسب هذا النمو والجذب لها لكن تبقى الحقيقة أن توفر الطاقة بكفاءة واستدامة هو العامل الحاسم في جذب هذه الاستثمارات.
ننحاز دومًا إلى ما تثبته الأرقام والنتائج، فالإنصاف يقتضي القول إن قيادة الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود لقطاع الطاقة محليًا وعالميًا تُعد نموذجًا واضحًا للإدارة القائمة على الإنجاز الفعلي، حيث تتحدث المؤشرات والتعاقدات والنتائج الملموسة بلغة لا تحتاج إلى تزيين..
لسنا هنا بصدد الإطراء بقدر ما نحن بصدد توصيف واقع؛ فلو أن جهة أخرى حققت حتى نصف ما تحقق في هذا القطاع من مشاريع وأرقام، لكتبنا عنها معلقات!
ويبدو أن الأمير عبدالعزيز قد جمع (الحسنيين) بين أمرين قلما يجتمعان: نتائج صلبة تُقاس بالأرقام، وحضور قيادي يستند إلى إرث راسخ، بصفته نجل سلمان بن عبدالعزيز آل سعود. ونحن أهل الرياض أي شيء يتعلق بأبو فهد له تقدير خاص لدينا منذ الصغر.
ننتقل الآن إلى الجانب الآخر من المفارقة قطاع العطور. وهو مجال يبدو، من حيث التعقيد، أبسط بكثير من الطاقة، بل ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة والهوية الخليجية. وتشير الأرقام إلى أن الفرد السعودي يُعد من الأعلى استهلاكًا للعطور عالميًا، حيث يتجاوز متوسط استهلاكه أربعة إلى ستة أضعاف نظيره في الغرب. كما أن السوق الخليجي يُعد الأكبر عالميًا في منتجات مثل العود، ما يمنح الشركات المحلية ميزة تنافسية فريدة.
ومع ذلك، فإن عددًا غير محدود من شركات العطور السعودية اختار طريق الركود، فاستكانت إلى الراحة، وابتعدت عن روح التطوير والابتكار التي يتطلبها هذا القطاع الحيوي.. وفي البدايات، لجأت بعض هذه الشركات إلى تبريرات جاهزة، كان أبرزها الادعاء بأن العطور الشرقية خاصة العود لا تتناسب مع الذوق العالمي، وأنها محصورة في نطاق ثقافي ضيق. غير أن هذا الطرح لم يصمد طويلًا أمام الواقع.
فعندما قدم توم فورد في عام 2007 العود ضمن تركيباته العطرية، لم يكتفِ بكسر هذا الحاجز، بل حوّل العود إلى رمز للفخامة العالمية، يتقبله الذوق الغربي كما الشرقي. ثم جاء فرانسيس كركديجان ليؤكد هذا التحول، ويمنح العود بُعدًا أكثر رقيًا وحضورًا في عالم العطور الفاخرة. وهنا سقطت حجة «عدم ملاءمة العطور الشرقية للعالم» سقوطًا كاملًا، وأصبحت مجرد ذريعة لتبرير غياب الاجتهاد.
وفي المقابل، برزت نماذج خليجية مشرّفة أثبتت أن النجاح ليس حكرًا على أحد، بل هو نتاج عمل جاد واستثمار حقيقي في الجودة والإبداع.. إحدى دور العطور الخليجيةً والتي آثرت أن تبني نفسها بهدوء استثمرت في تطوير منتجاتها، واستقطبت مصممين عالميين، واشتغلت على أدق التفاصيل، حتى أصبحت اليوم، وفق كثير من التصنيفات، من أبرز علامات العطور المتخصصة (Niche) عالميًا
أما الفقير إلى الله كاتب هذه السطور، فله شغف قديم بعالم العطور، امتد لسنوات طويلة، كوّن خلالها مكتبة عطرية في مختلف المدن التي عاش فيها حول العالم، وحرص على حضور أبرز الفعاليات والمعارض الدولية في هذا المجال، إن مصممي وكبار صناع العطور يبدون اهتمامًا لافتًا بملاحظات المستهلك الخليجي، ويستمعون إلينا بعناية، إدراكًا منهم لأهمية الذوق والسوق الخليجي.
وقد سمعنا في أقصى الشرق كما في اليابان، وفي أقصى الغرب كما في الولايات المتحدة عبارات متكررة تعكس هذا التقدير،: «ليت كل العالم في العطور يمتلك ذائقة وشغف الخليجيين». بل إن بعض اللقاءات في تلك المحافل تتحول إلى جلسات استماع، يلتف فيها المختصون حول الخليجيين لاستطلاع آرائنا وتقييماتنا.
وحرصًا على دور العطور السعودية فقد طُرحنا نصائح عديدة لشركات العطور السعودية، دعونا فيها إلى رفع مستوى الجودة، وتحسين التركيبات، والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة. فالسعوديون كمستهلكين يمتلكون واحدة من أعلى الذائقات العطرية في العالم، لكن الاستجابة، للأسف، كانت محدودة، وغلبت عليها الأعذار من نوع «هذا يتطلب وقتًا طويلًا» أو «يحتاج إلى استثمارات كبيرة».
ولإيضاح الصورة لهم، ضربنا أمثلة بدار عطور عالمية فرنسية حديثة نسبيًا، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تفرض نفسها بقوة، بل وأن تُنتج عطرًا اختير الأفضل عالميًا والغريب أنه من العود، رغم كونها نشأت في بيئة غير شرقية.
للأسف لا تزال بعض المنتجات المحلية تعاني من أخطاء واضحة في التركيب، سواء في جودة المواد أو في توازن النوتات العطرية.
فنحن في عالم العطور نتعامل مع «نوتات» تمامًا كما في الموسيقى؛ كل عنصر يجب أن يكون في موضعه الصحيح، وبالتركيز المناسب. وأي خلل في هذه المعادلة يُحدث ما يشبه «النشاز» في الخشم، وهو أمر يلتقطه بسهولة من يمتلك خبرة أو ذائقة متقدمة. هذه الأخطاء تؤثر بشكل مباشر على جودة المنتج وصورته في ذهن المستهلك.
قُدمنا النصائح مرارًا، وطرحنا الملاحظات بوضوح، لكن الاستجابة بقيت دون المستوى المأمول.
تكشف هذه المفارقة عن حقيقة جوهرية: أن التميز ليس حكرًا على مجال دون آخر، بل هو نتاج منظومة من القيم الجدية، والانضباط، والابتكار، والقدرة على التنفيذ. حين تتوفر هذه العناصر، يمكن تحقيق الريادة حتى في أصعب القطاعات. وحين تغيب، يتعثر الأداء حتى في أبسط المجالات.
السعودي الذي يقود أعقد أسواق الطاقة العالمية بكفاءة عالية، قادر بلا شك على أن يقود أيضًا صناعة العطور عالميًا لكن ذلك يتطلب انتقالًا من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الإبداع.