في المجتمعات الحيوية، يظل المزاح والتنافس خصوصًا في مجالات مثل كرة القدم جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، بل وقد يكون وسيلة للتقارب وبث روح الحماس. غير أن هذا التنافس يفقد قيمته حين يتجاوز حدوده، ويتحول من مساحة للمتعة إلى ساحة لإثارة الانقسامات وبث الكراهية. هنا يبدأ الخطر الحقيقي. فلقد شهدت الفترة الأخيرة بروز بعض الطروحات التي تجاوزت إطار المزاح المشروع، واتجهت نحو إثارة النعرات القبلية، وتزييف الوقائع، وتغليب الانتماءات الضيقة على الانتماء الوطني الأشمل. وهذه الظواهر لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد «آراء» أو «حرية تعبير»، بل هي ممارسات تمس صميم وحدة المجتمع وتماسكه.

التنافس الرياضي أو الاجتماعي يصبح مرفوضًا حين يُستخدم كغطاء للإساءة أو الانتقاص من الآخرين، أو حين يتحول إلى وسيلة لتغذية التعصب. فالمشكلة ليست في الاختلاف، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى أداة للفرقة، أو إلى خطاب يقوم على الإقصاء والتفوق الوهمي. لأن الدولة الحديثة تقوم على مفهوم «المواطنة»، حيث يتساوى الأفراد في الحقوق والواجبات، وتُقدَّم الهوية الوطنية على أي انتماء آخر.

ولذلك، فإن أي محاولة لإحياء العصبيات القبلية أو تقديمها على حساب الوطن، تمثل تراجعًا عن هذا المفهوم، وتهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي.


وقد أكدت الجهات الرسمية في المملكة بوضوح على خطورة هذا المسار. إذ شددت النيابة العامة على أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع تُعد جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية. ولا يقتصر الأمر على التحذير، بل إن العقوبات قد تصل إلى السجن والغرامة وفقًا للأنظمة ذات العلاقة، خصوصًا إذا تم نشر هذه الممارسات عبر وسائل التقنية أو الإعلام. بالإضافة إلى أن نظام الإعلام المرئي والمسموع وضع ضوابط واضحة، حيث يحظر نشر أي محتوى من شأنه إثارة النعرات أو الفرقة أو الكراهية بين المواطنين. وأكدت هيئة تنظيم الإعلام أن أي محتوى يتضمن تعصبًا قبليًا أو إساءة للأنساب يُعد مخالفة صريحة تستوجب اتخاذ الإجراءات النظامية بحق مرتكبيه.

هذه المواقف تعكس إدراكًا عميقًا بأن النعرات القبلية ليست مجرد سلوك فردي، بل خطر جماعي قد يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وإضعاف اللحمة الوطنية. ولذلك، فإن مواجهتها لا يجب أن تقتصر على الجهات الرسمية، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الأفراد أنفسهم. فالوقوف ضد هذه الظواهر لا يعني تقييد الحرية، بل يعني حماية المجتمع من الانزلاق نحو الانقسام. كما أن التصدي لها في بداياتها، من خلال الوعي والنقد المسؤول، أفضل بكثير من تركها تتفاقم حتى تستدعي تدخلًا صارمًا من الأنظمة.

يبقى الوطن هو الحاضنة الكبرى التي تجمع الجميع، مهما اختلفت مرجعياتهم وانتماءاتهم. وكل خطاب يضعف هذه الحاضنة أو ينافسها، هو خطاب يجب أن يُرفض بقوة وبوضوح. فالمزاح مقبول، والتنافس جميل، لكن الوطن أولًا... ودائمًا.