بلند الحيدري

سكتنا عنه لحد اتهام أنفسنا، وكان الاتهام كبيرا، لأننا لم نكن أمام مجرد کتاب أو وثيقة أو تقرير، بل أمام غدنا الذي له حق محاكمتنا وإدانتنا.. أمام أبنائنا في الخيام المواجهة للعدو عبر عيونهم الصغيرة المتألقة بقسوة غريبة عن عيون الأطفال. بحثت منى مسعودي عن فلسطينها وفلسطينهم، فوجدتها مدماة ملقاة على جانب طريق فرعي، وفيها أكثر من جرح نازف. سمعتها غير مرة تتحدث - وكأنها تعلم - عن كتاب يحمل مجموعة من رسوم أطفالنا في مخيمات اللاجئين، ثم اختفت منى، وقلت إنها مهنة المخاطرة التي تعيشها كبيرة، وتصير بها مكابرة عزيزة، لأنها استطاعت أن تحب لحد الكره والنقمة.

تحدثت عنهم بسرعة.. كانت أصابعها تلتف على سيجارتها وهي تتحدث، فيختنق الدخان في داخلها كما تختنق هي بكلماتها.

الطفل يتعلم الزحف بدلا من المشي.. كل القيم تتغير.. تعلم من أبيه الزحف وهـو يراه كل يوم يسعى زاحفا لتفجير عبوة أو نصب کمین إو إنقاذ جريح.

وعبر الركب المدماة من الزحف والهلع وانتظار الثأر، كانت منى تجمع ما يرسمه هؤلاء الصغار، لتحمله إلينا غدا ننتظر على يديه محاكمتنا وإدانتنا، لكننا صمتنا عنه وعنهم، لأننا لم نستطع أن ندرك قضيتنا من خلال تلك الوجوه الصغيرة الصادقة، وربما لأنها صادقة.

شتموها في البدء باليوم الأول.. استقبلوني بالشتائم وعبارات الاستهزاء.. نحن لسنا للفرجة.. روحوا تفرجوا على شيء آخر.. شتموها، لأنهم رأونا فيها متفرجين، وحسبوها واحدة منا جاءت تحمل إليهم كلمات وكلمات من تلك التي تعودنا أن نغلفها بكثير من الحنان الزائف وبعض علب الشكولاتة.

لكن لم تكن منا، لأنها سرعان ما كانت جزءا من عالمهم، جزءا من الإدانة والتهمة والمحاكمة فأحبوها.

في كل مكان من العالم تصدر كتب عن رسوم الأطفال، وثمة مجلات تعنى بقانونهم، ودارسون ونقدة ومعلقون، وما كان لأي منها أن توفر له ما توفر لكتاب منى السعودي «شهادة الأطفال في زمن الحرب» من حيث التعبير عن مكامن خوف لم يدركوا بعد أبعاده، وعن تطلع إلى فجر سيجيء أحمر قانيا مع أزيز الطائرات، وعن رؤية مأساوية كبيرة، وما كان لأي من أولئك الصغار ما كان لهذه البراعم التي كتب لها أن تشب وتنمو بين النار والحديد والبطون المبقورة والأيدي المبتورة، وأن ترضع أحيانا حليب أم قتيل.

ليس كتابا فحسب، ولا مجرد وثيقة.. إنه أكبر من تقرير مراقب في هيئة الأمم مزين بمائة قانون وتعريف تحيل بينه وبين أن يفهم هؤلاء الأطفال ألوانهم وآلامهم ورؤاهم.

«ص 26.. ديابة إسرائيلية تمر فوق بنت الجيران»

دعامتان يقوم عليهما الأطفال، هما الهرب من الواقع إلى عالم خيالي من ناحية، والتعبير عن هذه المواقع في اللحظة نفسها من ناحية أخرى.. الدبابة تسير ضمن لون أحمر والفتاة مطروحة على الأرض المصبوغة باللون الأخضر.. صراع بين اللونين، وكأن اللون الأخضر قد وقف على الرغم من جثة الفتاة الملقاة على الأرض حائل بين الدبابة والفتاة.. يريد أن يجترح حقيقة القتل.

«ص 50.. مدفع يضرب طائرة وأرنبة تلد»

عندما يرسم الطفل لذاته يبقيني خارجها، فليس ثمة ما يوصلني إلى الأرنب أو المدفع، ولذلك لا يريدني أن أقومه من خلال ما أراد أن يحقق أو ما حقق بالفعل، بل بما استطاع أن يفجر عبر لا وعيه، فالترابط في أجزاء الصورة يتأتى عن استدعاءات ذهنية موحية بما يكمن وراءها لا على أساس تطور موضوعي للفكرة.. إنه يسعى لأن يثبت العلاقة بين الإنسان والأشياء لا بين الأشياء فيما بينها، كما هي الحال في الصور الكلاسيكية.

«ص 57.. شقيق عادل الكبير نائما في الدار»

الحقيقة في فن هؤلاء الصغار حقيقة شفافة، لأنهم عبر هذه الشفافية يؤكدون اختراقهم الأشياء، فالدار على الورقة أربعة خطوط، وهي بهذا المعنى رمز للدار، ليس لها أن تحمل كثافة جدرانها، ولا يحق لها أن تحجب رؤية شقيق عادل وهو نائم في الدار، وهو ما يريده من الدار والنوم، ليجعل منهما سورا حاميا لـه مـن الواقع والقلق القائم في اليقظة، وبذلك يكون المكان مزيجا من الواقع ورؤيته الداخلية.

وبعد..

سيظل السكوت اتهاما ما لم نجد أنفسنا في صور هؤلاء الأطفال حديثا طويلا لهم وعنهم.

شكرا لمنى في شهادتها.. شكرا لها يوم أن تحاكم ويوم أن ندان بصور هؤلاء اللاجئين الصغار.

1971*

* شاعر وكاتب عراقي «1926 - 1996»