جدة: نجلاء الحربي

تشهد عمليات المخ والأعصاب في السعودية ارتفاعات وصلت حتى 30 % في السنوات الثلاث الماضية حسب تقارير صادرة عن بعض المراكز الطبية في الرياض وجدة، حيت تتركز النسبة الأعلى لتلك العمليات.

وفيما يعيد عدد من المختصين هذه الارتفاعات إلى نمط الحياة، والحوادث، والتوتر المزمن، يرى آخرون أن ارتفاع مستوى العناية الطبية، وازدياد الثقة في الكوادر المحلية، والتجهيزات المتطورة، ساهمت في هذا الارتفاع الناجم عن تقديم حلول علاجية فعالة كانت غير متاحة في السابق، ومنها مثلا ما قاد إلى مزيد من التشخيص المبكر لحالات مثل أورام الدماغ، والصرع المقاوم للأدوية، والانزلاق الغضروفي، وغيرها.

وعمليات المخ والأعصاب هي إجراءات جراحية تهدف إلى تشخيص وعلاج الأمراض والمشاكل التي تؤثر على الجهاز العصبي، بما في ذلك الدماغ والحبل الشوكي والأعصاب.

نمط الحياة

إذا كان من المنطقي أن تسجل مدن كبرى مثل الرياض وجدة ارتفاعات ملحوظة في عدد عمليات المخ والأعصاب خلال العام الماضي نظرا لتوفرها على كثير من المراكز الطبية المتطورة، إلا أن مختصين حذروا من ضرورة توعية المجتمع بأسباب هذا التزايد اللافت لتلك العمليات عموما، والذي يرتبط في كثير من الأحيان بعوامل نمط الحياة، وتأخر التشخيص، والتوتر المزمن والحوادث المرورية.

وتصدرت منطقة الرياض ومدينة جدة عدد التدخلات الجراحية للمخ والأعصاب، فبلغت في الرياض 2770 عملية، وفي جدة 1072 عملية.

وأوضح استشاري جراحة المخ والأعصاب الدكتور ماهر ياسر أن «نسبة هذه العمليات زادت خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في فئات عمرية متوسطة، وهو مؤشر مقلق يدعو إلى مراجعة مسببات مثل ضغط العمل، وقلة النوم، والاستخدام المفرط للأجهزة الذكية».

وأضاف أن «أكثر العمليات شيوعًا هي استئصال أورام الدماغ، وعلاج الإنزلاق الغضروفي القطني والعنقي، وعمليات التحفيز العميق للدماغ لمرضى الشلل الرعاش، وإصلاح تمدد الشرايين الدماغية».

وشدد على أهمية تكثيف برامج التثقيف الصحي، وتشجيع الفحص المبكر لأعراض الأعصاب والمخ، خاصة مع التقدم في تقنيات التصوير الطبي مثل الرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي.

نقص الوعي

من جهته، أشار استشاري المخ والأعصاب الدكتور شرف فيصل أن «نقص الوعي بأعراض أمراض الأعصاب يؤدي إلى تأخير كثير من الحالات حتى تتطور، لتصل إلى مراحل تتطلب تدخلًا جراحيًا».

وأضاف «في كثير من الأحيان، يشعر المريض بخدر أو صداع متكرر أو ضعف في الأطراف، لكنه يظن أنها أعراض عابرة، فيتأخر في زيارة الطبيب».

وأكد أن الأسباب الشائعة وراء ازدياد الحالات، الضغوط النفسية المزمنة، والجلوس لفترات طويلة، ونقص النشاط البدني، والحوادث المرورية، والأمراض المزمنة مثل السكري والضغط.

وأشار إلى أن «التدخل المبكر في كثير من الحالات يجنّب المريض الوصول إلى غرفة العمليات، ويكتفى بعلاج تحفظي أو تأهيلي لحالته».

أسباب كبرى

بدوره، أشار استشاري المخ والأعصاب الدكتور عبدالرزاق محمد إلى أن «الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات، وقلة النشاط البدني، والضغوط النفسية المزمنة، ساهمت في زيادة حالات الانزلاق الغضروفي، ومشكلات العمود الفقري العنقي والقطني، ما يستدعي التدخل الجراحي في كثير من الحالات، كما أن الحوادث المرورية ما تزال من الأسباب الكبرى لإصابات الدماغ والعمود الفقري، خصوصًا بين فئة الشباب، ما يجعل الحاجة للتدخلات الجراحية الطارئة أمراً متكرراً في المستشفيات، إضافة إلى زيادة معدل الإصابة بأمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم التي لها دور في الجلطات الدماغية وتمدد الأوعية الدموية، ما يتطلب إجراء عمليات جراحية دقيقة».

وأكد على أن «استخدام تقنيات مثل الجراحة الملاحية والمناظير الدقيقة والروبوتات الجراحية جعل العمليات أكثر أمانًا ودقة، ما شجع الأطباء والمرضى على اللجوء للجراحة بدلاً من الاكتفاء بالعلاج التحفظي في الحالات المزمنة»، مشددا على أهمية الوعي الصحي والتشخيص المبكر موضحا أن حرص المرضى على إجراء الفحوصات الدورية أدى إلى اكتشاف الأورام والأمراض العصبية في مراحل مبكرة، ما جعل فرص التدخل الجراحي أعلى وأكثر فاعلية.

تطور القطاع الطبي

في المقابل، يرى استشاريون أن ازدياد عدد عمليات المخ والأعصاب لا يعكس بالضرورة زيادة في الأمراض، بل يعكس تطورا في القطاع الطبي وارتفاعا في مستوى الثقة بالكوادر المحلية والتجهيزات المتطورة، مما ساهم في تقديم حلول علاجية فعالة كانت غير متاحة في السابق.

وأشار استشاري المخ والأعصاب الدكتور عبدالإله محمد إلى أنه «شهدت جراحات المخ والأعصاب في المملكة تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتقدم التقنيات الطبية وزيادة وعي المرضى، ما أسهم في ارتفاع ملحوظ بعدد العمليات المجراة في هذا التخصص الدقيق».

وأضاف «استخدام تقنيات مثل الجراحة الملاحية، والمناظير الدقيقة، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والروبوتات الجراحية، أحدث نقلة نوعية في الأداء الطبي، وساهم في تقليل نسبة الخطورة وتحقيق نتائج أكثر دقة، كما لم يعد المريض بحاجة إلى السفر للخارج كما في السابق، فاليوم أصبحت غرف العمليات في كبرى مستشفيات المملكة مزودة بأحدث أنظمة الجراحة العصبية، مما ساهم في إجراء عمليات دقيقة ومعقدة بنتائج ممتازة».

وتابع «توفر التصوير العصبي المتقدم (MRI، وCT ثلاثي الأبعاد، والتصوير الوظيفي) يساعد الأطباء في تحديد أماكن الورم أو العصب المصاب بدقة متناهية، ما يقلل من احتمالية المضاعفات بعد العملية».

وأكد أن «جراحات المخ والأعصاب باتت أكثر أمانًا ودقة من أي وقت مضى، بفضل القفزات الكبيرة في التقنيات الطبية، ووجود كفاءات وطنية متخصصة، والمستقبل واعد أكثر في هذا المجال، مع استمرار الاستثمار في التجهيزات والتدريب، وتحفيز الوعي المجتمعي للوقاية من العوامل المؤدية لتلف الأعصاب أو الإصابات الدماغية».