وتدخل «المطاعم» و«الأسر المنتجة» هذا التنافس، وفي جعبة كل منهما، مزايا يراها تمنحه الأفضلية على الآخر، حيث تتقابل «لوجستيات» المطاعم، مع «جودة» الأسر المنتجة.
وتطول قائمة المزايا والعيوب في الطرفين، ليكون الفيصل بينهما هو الصائم نفسه، الذي عليه أن يختار بين هذا وذاك، محتكماً إلى ذوقه، فضلاً عن القدرة على تحمل بعض العيوب، مقابل الحصول على مزايا أخرى.
النمو الاقتصادي
يفضل كثير من الصائمين «الأكل البيتي»، ويرون أنه أكثر نظافة وجودة من غيره، ومثل هذا الأكل، توفره الأسر المنتجة، التي تطبخ في منازلها، وتركز الفضيل على الأصناف الرمضانية، مثل الهريس والثريد التي تتطلب دقة ومهارة وخبرة ربات البيوت.
ويرى اقتصاديون أن الأسر المنتجة، لم تعد أحد مسارات النمو الاقتصادي فحسب، أو مجرد تجارب فردية، بل باتت قطاعاً منظماً؛ وتشير التقارير الاقتصادية إلى ذلك، حيث تُظهر أن مبيعات الأسر المنتجة المدعومة في عموم المملكة تجاوزت الـ13 مليار ريال، بدعم من برامج التمويل الحكومية، التي عززت جودة وتنافسية منتجاتها.
الاستهلاك الأسري
من المتوقع في رمضان المقبل أن تسجل الأسر المنتجة قفزات نوعية في مبيعاتها، خصوصاً مع ما نشهده من إقبال كبير على وجباتها الشعبية والحلويات التي تصنعها، والتي حازت بسببها على حصة ليست قليلة من السوق، مما يرفع من احتمالية مضاعفة العمل من أجل تأمين الوجبات خلال الشهر الفضيل، وهو ما يؤهلها لأن تكون منافساً قوياً للمطاعم التقليدية، في إعداد «سفرة الإفطار».
ووفقاً لتحليل لإكسفورد إيكونوميكس، نشرته قناة cnn الاقتصادية، فإن الإقبال على منتجات الأسر المنتجة السعودية، يندرج ضمن الاستهلاك الأسري الحقيقي، الذي نما العام الماضي (2025) بنسبة 2.7% في مناطق المملكة، بينما تشير التوقعات إلى نموه إلى 3.8% في عام 2026، قبل أن تعتدل في السنوات التالية.
مرتكزات التنافس
تعتمد الأسر المنتجة في مسارات التنافس مع المطاعم، على مزايا، أبرزها الجودة العالية، والأسعار المناسبة، وهو ما يجعلها مفضلة من قبل عدد غير قليل من المستهلكين.
ويزداد الإقبال على منتجات الأسر المنتجة، في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، للترويج لتلك المنتجات المختلفة، وهذه الميزة، استثمرتها نساء كثيرات لصالحهن، ومن بينهن سكينة عبدالله، صاحبة أحد مشاريع «أسر منتجة»، التي استطاعت بناء سمعة قوية لمشروعها، عبر استثمار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعال، وتقديم عروض مميزة على منتجاتها، فضلاً عن عقد اتفاقات مع بعض المطاعم لتقديم أصناف معينة من المأكولات، مثل ورق العنب ومحشي الملفوف البارد.
وتقول سكينة «هذه التعاقدات والتعاون، عززت من حضوري السوقي، وزادت من مبيعاتي، كما أتاحت لي الاستمرار فيما أقوم به من إنتاجية».
العملية الإنتاجية
على الجانب الآخر، ذكر مفيد علي، وهو مالك أحد المطاعم في مدينة القطيف أن منافسة الأسر المنتجة لمطعمه، لم تشكل فارقاً كبيراً خلال شهر رمضان في الأعوام السابقة. وقال «لا تزال المطاعم تجد إقبالاً كبيراً، وذلك بسبب جاهزيتها الدائمة لتلقي الطلبات، وتنفيذها في وقت قياسي، على عكس الأسر المنتجة التي ترتبط العملية الإنتاجية لديها بدرجة استعدادها، وما تملكه من أدوات، تساعدها على إعداد الوجبات، وتوصيلها إلى أصحابها، فضلاً عن المزاجية ومحدودية الوقت التي تتحكم في عملية الإنتاج لدى أفراد الأسر المنتجة».
وتابع «من سلبيات عمل الأسر المنتجة، أنها لا تعمل بشكل متواصل، وإنما بحسب الطلب والكمية بحيث تحتاج أن يُطلب منها أولاً إعداد مأكولات بعينها بطلب مسبق، وقد يحتاج العميل أو الزبون للطلب قبلها بيوم أو يومين لتقوم الأسر المنتجة بتأمين المقادير وإعداد الوجبة المطلوبة، الأمر الذي يحد من إمكانية عملها بشكل مستمر، ويؤثر في إنتاجيتها».
ذكريات لا تنسى
تذكر أماني الفاضل، مديرة أحد المشاريع المنزلية في مدينة سيهات، أن المنافسة بين المطاعم والأسر المنتجة في شهر رمضان المبارك، تبدو وكأنها صراع بين «روحانية المذاق»، و«كفاءة التشغيل»، وتضيف أن «الأسر المنتجة تكسب عندما يتعلق الأمر بـ«الجودة العاطفية»، بينما تتفوق المطاعم في «اللوجستيات».
وتحدد أماني مسارات التنافس بين الأسر المنتجة والمطاعم خلال الشهر الفضيل، فتقول «لا شك أن المنافسة تحتدم بينهما، ففيما تمتلك الأسر المنتجة سلاح «الجودة والنظافة والمذاق الأصلي»، تمتلك المطاعم «السيستم» الذي تسير عليه في آلية عملها، وأن الأسر المنتجة أيضاً تعتمد على مفهوم «أكل البيت» الذي له ذكريات لا تنسى، في ذهن الصائم، إلى جانب أن فيه بركة ونظافة فائقة، وهي مزايا لا تتوفر في وجبات المطاعم».
وأكملت «هذا النوع من المنافسة، يضع المطاعم في مأزق، لأنها مهما بلغت دقتها وكفاءتها، تظل «مشاريع تجارية» لها مستوى معين من الخدمات، لا تتجاوزه، لكن في شهر رمضان، حيث يضيق الوقت، يتفوق «سيستم» المطاعم في القدرة على تلبية الطلبات المفاجئة وبكميات كبيرة، لا تتوفر عند الأسر المنتجة».
وقت الذروة
يكمل فيصل أحمد، وهو مالك مطعم، ما بدأته أماني من مقارنة بين الأسر المنتجة والمطاعم، ويقول «المطاعم مصممة لسياسة «ادفع واستلم فوراً»، وهو ما يحتاجه الصائم، بالحصول على وجبة في لحظات سريعة في وقت الذروة، قبل الإفطار بدقائق، أما الأسر المنتجة، فغالباً ما تكون مقيدة بنظام الحجز المسبق (قبل 24 ساعة مثلاً)، مما يجعلها خياراً صعباً، وليس سريعاً، وهذا يحد من قدرة الأسر المنتجة على التوسع لمنافسة المطاعم في الطلبات الفورية السريعة».
ويتابع «تتفوق الأسر المنتجة في رمضان، في إعداد الأطباق الرمضانية المتخصصة التي يتمناها الصائم، مثل السمبوسة المنزلية، الجريش، والحلويات الشعبية، ومثل هذه المأكولات، تتطلب صبراً لا تملكه المطاعم السريعة».
وأضاف «المطاعم لم تستسلم للأمر للواقع، وهي تحاول المنافسة في هذا المسار، بتقديم «منيو رمضاني» غني بمأكولات منزلية، يعمل على إعدادها الطباخون الرجال في المطعم، لكن المستهلك لا يزال يثق أكثر بالمرأة الطباخة لهذه الأصناف تحديداً».
توصيل الطلبات
تطرق فيصل إلى التحديات الرقمية والتوصيل، وقال «المطاعم تسيطر عبر تطبيقات التوصيل، التي تؤمن وسائل مواصلات سريعة، لإيصال الوجبات، إلى من يطلبها بأسرع وقت، في المقابل، تعاني كثير من الأسر المنتجة من ضعف الدعم اللوجستي في توصيل الطلبات، حيث تعتمد على مندوبين أفراد، مما يجعل العميل يتردد في التعامل مع الأسر المنتجة، خوفاً من تأخر وصول الوجبة إليه قبل أذان المغرب».
وختم «المطاعم لديها ميزة الوقت والسرعة، والأسر المنتجة لديها الذكريات والجودة، ولكي تخرج الأسر من حيز «المشاريع المحدودة»، فهي تحتاج إلى الانتقال من نموذج «المطبخ المنزلي» إلى «المطبخ السحابي» المنظم الذي يستوعب الطلب المفاجئ، ويتعامل معه في التو واللحظة».