وبحسب ما يُتداول، لا تكتفي بعض العلامات بتسليم المنتج، بل يُشار إلى وجود اهتمام غير معلن بكيفية تعامل العميل مع القطعة لاحقًا، بوصفها «تحفة فنية» مُنحت بعد عملية اختيار دقيقة.
ويُثار التساؤل حول ما إذا كانت بعض التصرفات، مثل إهداء المنتج لشخص آخر أو سوء التعامل معه، قد تُفسَّر على أنها إخلال بتوقّعات العلامة، بما قد يؤدي إلى إدراج العميل ضمن آليات تقييد غير معلنة تؤثر على فرص الشراء مستقبلًا.
مبررات التفرد المفرط
يوضح مستشار بناء العلامات التجارية أحمد العمودي، أن الفخامة تُدار اليوم وفق قاعدة أساسية مفادها أن «القيمة هي تصور ذهني، وليست مجرد تكلفة إنتاج». فعندما يدرك المستهلك أن المنتج متاح للجميع، يتحول إلى سلعة قابلة للمقارنة مع غيرها، أما حين يُقيَّد الوصول إليه رغم توفر القدرة الإنتاجية، فإنه يتحول إلى ما يشبه الأصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق يؤكد خالد القطان، وهو استشاري متخصص، أنه «كلما ندر الشيء زاد سعره والطلب عليه»، لافتًا إلى أن اجتماع الندرة مع التفرد يشكّل مبررًا مباشرًا لارتفاع الأسعار.
وفي هذا الإطار، لم يعد التفرد في عالم الفخامة نتيجة تلقائية للجودة أو الحرفية، بل أصبح خيارًا إستراتيجيًا تُديره العلامات التجارية بوعي كامل. ففي كثير من الحالات، يُنتج عدد محدود من القطع، أو حتى قطعة واحدة فقط، لا بسبب ندرة المواد أو تعقيد التصنيع، بل لأن الندرة بحد ذاتها تُكسب المنتج قيمة أعلى وتبرّر طرحه بأسعار باهظة. وامتلاك هذه القطعة لا يمنح العميل سلعة فحسب، بل يمنحه شعورًا بالتميّز، وكأنه الوحيد الذي حصل على ما لا يُتاح للآخرين. هكذا، لا تُستخدم الندرة لتلبية الطلب، بل لصناعته، مستندة إلى نزعة إنسانية فطرية تقوم على الرغبة فيما يصعب الوصول إليه؛ فكلما ارتبط المنتج بالمنع أو الانتظار، تضاعفت قيمته الرمزية، ليصبح الانتظار ذاته جزءًا من التجربة ودليلًا على الاستحقاق، في عالم يرى فيه العمودي أن الوفرة هي العدو الأول للفخامة.
انتقال اعرف عميلك
يُعد مبدأ «اعرف عميلك» في الأصل إطارًا تنظيميًا خاصًا بالقطاع المصرفي والمالي، وُضع بهدف تمكين المؤسسات المالية من تكوين تصور واضح عن الهوية الحقيقية لكل عميل بدرجة مناسبة من الثقة، وفهم طبيعة الأنشطة والعمليات التي يُحتمل أن يجريها ضمن العلاقة المالية.
وتشمل هذه الإجراءات التحقق المستمر من هوية العملاء، سواء الدائمين أو العابرين، إضافة إلى التعرف على هوية المستفيدين الحقيقيين من العمليات، بما يحقق مستوى كافيًا من الفهم والمعرفة يحدّ من المخاطر المالية.
ويسترسل القطان موضحًا أن «هذا التحول بدأ حين أصبحت القدرة الشرائية متاحة لشرائح واسعة من «الأثرياء الجدد»، لتواجه العلامات الفاخرة معضلة جديدة: إذا أصبح الجميع قادرًا على الشراء، فأين يبقى التميّز؟».
غير أن هذا المنطق، وإن لم يُنقل حرفيًا إلى عالم التجارة، يبدو أنه وجد طريقه تدريجيًا إلى بعض متاجر الفخامة عبر سياسات داخلية غير معلنة. فاليوم، لم تعد بعض العلامات تكتفي بمعرفة اسم العميل أو وسيلة التواصل معه، بل تسعى إلى بناء صورة أوسع عنه تشمل نمط حياته، حضوره الاجتماعي، وتاريخه الشرائي.
التلوث البصري
يرى العمودي أن هذا التوجه يرتبط بما يمكن تسميته «الخوف من التلوث البصري»، إذ تخشى بعض العلامات أن تُستخدم منتجاتها من قبل أشخاص يملكون المال لكنهم يفتقرون إلى الذوق أو السلوك المتماشي مع الإرث الثقافي والرمزي للعلامة. وعلى الرغم من أن هذه الممارسات لا تستند إلى تشريع يُلزم المتاجر بتطبيق «اعرف عميلك» كما هو الحال في البنوك، إلا أنها تعكس انتقال فكرة التقييم والمراقبة من المجال المالي إلى المجال الاستهلاكي، في محاولة للتأكد من أن الزبون «يناسب» صورة العلامة، لا من قدرته على الدفع فحسب.
ويضيف العمودي أن العلامات الفاخرة باتت تبحث عما هو أندر من المال، لأن المال لم يعد نادرًا، فتحوّل السؤال من «هل يملك العميل المال؟» إلى «هل يشبهنا؟».
مفهوم الفخامة
يشهد تحوّلًا يتجاوز ارتباطه المباشر بالمال
العلامات الراقية لم تعد تكتفي بتسليم المنتج بل بكيفية تعامل العميل مع القطعة لاحقًا
الفخامة تُدار اليوم وفق قاعدة أن «القيمة هي تصور ذهني، وليست مجرد تكلفة إنتاج»
العلامات الفاخرة حولت السؤال من «هل يملك العميل المال؟» إلى «هل يشبهنا؟»