عنوان المقالة، استلهمته من حديث رواه مسلم، ونصّه: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم». والحديث صحيح رواه الكثيرون غير مسلم بألفاظ متقاربة، منهم ابن تيمية في منهاج السنة وغيره.
والحقيقة أنّ الحديث يحمل معنى عميقًا عظيمًا قد لا ينتبه له الكثيرون، فالموضوع ليس مجرد حثٍ على الاستغفار، ولا مجرد تأكيدٍ على أنّ ارتكاب الخطايا هو طبيعة البشر، فالأمر أضخم من ذلك، حيث نجد في الحديث ربطًا لبقائنا بارتكاب الذنوب، أو بصياغة أخرى: كلُّ من يفهم لغة العرب جيدًا يدرك من الحديث أنّ الله جعل ارتكاب الذنوب شرطًا لبقائنا.
وإذا وسّعنا الدائرة يمكن القول: إنّ هذا المعنى الذي يستحق التأمل الطويل، ليس مقصورًا على الإسلام فقط من حيث وروده والتأكيد عليه، فقد جاء في أديان وفلسفات متعددة التأكيدُ على أنّ الأصلَ في الإنسان الخطأ والخطيئة، وأنّ الذنبَ هو طبيعة البشر.
ففي المسيحية مثلًا نجد في إنجيل يوحنا أنّ عددًا من مُعَلّمي الشّريعةِ جاءوا إلى يسوع بامرأةٍ أمسكوها وهي تزني، وقالوا له: «يا مُعَلّمُ، موسى أوصى بِرَجْمِ أمثالِها، فماذا تَقولُ أنتَ؟». فاَنحَنى يَسوعُ يكتُبُ بإصبَعِهِ في الأرضِ. فلمّا ألحّوا علَيهِ رفَعَ رأسَهُ وقالَ لهُم: «مَنْ كانَ مِنكُم بِلا خَطيئَةٍ، فَليَرْمِها بأوّلِ حجَرٍ». فلمّا سمعوا كلامه، أخذَت ضَمائِرُهُم تُبكّتُهُم، فخَرجوا، وبَقِـيَ يَسوعُ وحدَهُ والمرأةُ في مكانِها، فقالَ لها يَسوعُ: «اذهَبي ولا تُخطِئي بَعدَ الآنَ».
والجميل في النصّين السابقين الواردين في الإسلام والمسيحية، هو اتفاقهما على أنّ المطلوب هو التوبة والاستغفار بعد الذنب، والاجتهاد في عدم العودة إليه. وفي هذا رسالة سامية مفادها أنّ الإنسان لا بد أن يخطئ، فليس هناك أحد معصوم، ولكنّ الإنسان الفاضل هو الذي يتراجع عن الخطأ ويقلع عنه باستمرار، بمعنى: حتى لو تكررتْ الأخطاءُ، فلا بدّ من تكرار التَوْبات والتراجعات، وتصحيح المسار باستمرار.
وهذا المعنى بمفهومه العام، ليس خاصًا بالإسلام والمسيحية، حيث تتفق أديان وفلسفات كثيرة على أنّ الإنسان غير معصوم، وأن الإقرار بالخطأ؛ ثم الاجتهاد في الإقلاع عنه، وفي التَوْبات المستمرة، هو المطلوب من الإنسان والأفضل له.
ففي اليهودية مثلًا نجد كلامًا جميلًا في التلمود، وهو تأكيده على أنّ المكان الذي يقف فيه التائبون، لا يستطيع حتى الأتقياء تمامًا الوقوف فيه، وهذا يعني ببساطة أنّ الذين أكثروا من الذنوب ثم تابوا، قد يصلون إلى منزلة رفيعة ومناعة قوية أعلى من الأتقياء الأنقياء إن وجدوا، والسبب –حسب فهمي– أنّ إرادة التائبين والراجعين صُقلتْ بتجربة الخطايا، فأدركوا سوءَها وأهمية الإقلاع عنها.
والفقرة السابقة عن اليهودية، تذهب بذهني إلى فلسفة موجودة في الديانة الشنتوية اليابانية، وهي فلسفة «الكينتسوجي»، التي تعني في الأصل فنّ إصلاح الفخار، فقد استعيرتْ وأسقطتْ على الإنسان المخطئ عند بعض حكمائهم، فصارتْ تحملُ بعدًا فلسفيًا يقدّس الذنوب والعيوب إن صحَّ الوصف، وخلاصتها –بصياغتي ووفق فهمي– أنّ الشيء الذي انكسر ثم أُصلح بإتقان، يصبح –أحيانًا– أجمل وأقوى ممّا كان عليه وهو سليم. فالذين يذنبون ويستغفرون باستمرار، يصبحون أسمى روحيًا؛ لأنهم يصلحون أنفسهم بالتوبات بعد تجربة الخطايا.
ونجد في الهندوسية أيضًا (مفهوم البهاكتي) الذي يظهر في نصوص «البهاغافاد غيتا»، ومن ذلك مثلًا أنّ الإله كريشنا يَعِدُ بتخليص من يتوب ويسلّم أمره له من جميع الآثام، مؤكدًا على أنّ كلَّ العصاة –حتى من كان عاصيًا جدًا– يمكنهم أنْ يجدوا طريقهم الصحيح إذا تابوا لله بإخلاص.. وفي البوذية أيضًا نجدها تركّز على أنّ الوعيَ بالخطأ وعقد النية على تركه هو بداية الطريق للتحرّر من الكارما السلبية.
كما نجد هذا المعنى بصورة أخرى في الفلسفة الطاوية الصينية القديمة، من خلال (التوازن بين النور والظلام)، المرتبط بمفهوم «الين واليانغ» حيث يرون أنّ الوجودَ يتطلب الأضداد، فالخطيئة أو الفوضى هي جزء من توازن الكون. فدون معرفة الخطأ لا يمكن للإنسان استيعاب الصواب. فالكمال في الطاوية ليس في غياب الأخطاء، وإنما في التناغم مع الطبيعة التي تقبل الخطأ ثم التراجع والنمو والإصلاح.
وكل ما سبق يتماهى وينسجم مع فلسفات أخرى، أبرزها الرواقية والوجودية، فالكثير من الرواقيين يؤكدون على أنّ الخطأ طبيعة بشرية؛ وهم بذلك لا يشجّعون الخطأ، بقدر تأكيدهم على أنّ الكمال ليس من شأن البشر، وأنّ الفضيلة الحقيقية تكمن في القدرة على تقويم الذات والتعلّم من العثرات.
كما نجد لدى الوجوديين أفكارًا من قبيل أنّ الإنسان كيان يبنيه هو بسلوكياته بناء على أنّ الوجودَ سابقٌ للماهيّة عندهم، فالاعتراف بالضعف البشري والمسؤولية عن الخطأ هو ما يمنح الحياة معناها؛ ولذلك نجد الكثير من الرفض في الوجودية لفكرة المثالية المطلقة، والتأكيد على ضرورةِ قبولِ نقصنا كبشر، وعدم المبالغة في جلد الذات.
والحقيقة أنّ الحديث يحمل معنى عميقًا عظيمًا قد لا ينتبه له الكثيرون، فالموضوع ليس مجرد حثٍ على الاستغفار، ولا مجرد تأكيدٍ على أنّ ارتكاب الخطايا هو طبيعة البشر، فالأمر أضخم من ذلك، حيث نجد في الحديث ربطًا لبقائنا بارتكاب الذنوب، أو بصياغة أخرى: كلُّ من يفهم لغة العرب جيدًا يدرك من الحديث أنّ الله جعل ارتكاب الذنوب شرطًا لبقائنا.
وإذا وسّعنا الدائرة يمكن القول: إنّ هذا المعنى الذي يستحق التأمل الطويل، ليس مقصورًا على الإسلام فقط من حيث وروده والتأكيد عليه، فقد جاء في أديان وفلسفات متعددة التأكيدُ على أنّ الأصلَ في الإنسان الخطأ والخطيئة، وأنّ الذنبَ هو طبيعة البشر.
ففي المسيحية مثلًا نجد في إنجيل يوحنا أنّ عددًا من مُعَلّمي الشّريعةِ جاءوا إلى يسوع بامرأةٍ أمسكوها وهي تزني، وقالوا له: «يا مُعَلّمُ، موسى أوصى بِرَجْمِ أمثالِها، فماذا تَقولُ أنتَ؟». فاَنحَنى يَسوعُ يكتُبُ بإصبَعِهِ في الأرضِ. فلمّا ألحّوا علَيهِ رفَعَ رأسَهُ وقالَ لهُم: «مَنْ كانَ مِنكُم بِلا خَطيئَةٍ، فَليَرْمِها بأوّلِ حجَرٍ». فلمّا سمعوا كلامه، أخذَت ضَمائِرُهُم تُبكّتُهُم، فخَرجوا، وبَقِـيَ يَسوعُ وحدَهُ والمرأةُ في مكانِها، فقالَ لها يَسوعُ: «اذهَبي ولا تُخطِئي بَعدَ الآنَ».
والجميل في النصّين السابقين الواردين في الإسلام والمسيحية، هو اتفاقهما على أنّ المطلوب هو التوبة والاستغفار بعد الذنب، والاجتهاد في عدم العودة إليه. وفي هذا رسالة سامية مفادها أنّ الإنسان لا بد أن يخطئ، فليس هناك أحد معصوم، ولكنّ الإنسان الفاضل هو الذي يتراجع عن الخطأ ويقلع عنه باستمرار، بمعنى: حتى لو تكررتْ الأخطاءُ، فلا بدّ من تكرار التَوْبات والتراجعات، وتصحيح المسار باستمرار.
وهذا المعنى بمفهومه العام، ليس خاصًا بالإسلام والمسيحية، حيث تتفق أديان وفلسفات كثيرة على أنّ الإنسان غير معصوم، وأن الإقرار بالخطأ؛ ثم الاجتهاد في الإقلاع عنه، وفي التَوْبات المستمرة، هو المطلوب من الإنسان والأفضل له.
ففي اليهودية مثلًا نجد كلامًا جميلًا في التلمود، وهو تأكيده على أنّ المكان الذي يقف فيه التائبون، لا يستطيع حتى الأتقياء تمامًا الوقوف فيه، وهذا يعني ببساطة أنّ الذين أكثروا من الذنوب ثم تابوا، قد يصلون إلى منزلة رفيعة ومناعة قوية أعلى من الأتقياء الأنقياء إن وجدوا، والسبب –حسب فهمي– أنّ إرادة التائبين والراجعين صُقلتْ بتجربة الخطايا، فأدركوا سوءَها وأهمية الإقلاع عنها.
والفقرة السابقة عن اليهودية، تذهب بذهني إلى فلسفة موجودة في الديانة الشنتوية اليابانية، وهي فلسفة «الكينتسوجي»، التي تعني في الأصل فنّ إصلاح الفخار، فقد استعيرتْ وأسقطتْ على الإنسان المخطئ عند بعض حكمائهم، فصارتْ تحملُ بعدًا فلسفيًا يقدّس الذنوب والعيوب إن صحَّ الوصف، وخلاصتها –بصياغتي ووفق فهمي– أنّ الشيء الذي انكسر ثم أُصلح بإتقان، يصبح –أحيانًا– أجمل وأقوى ممّا كان عليه وهو سليم. فالذين يذنبون ويستغفرون باستمرار، يصبحون أسمى روحيًا؛ لأنهم يصلحون أنفسهم بالتوبات بعد تجربة الخطايا.
ونجد في الهندوسية أيضًا (مفهوم البهاكتي) الذي يظهر في نصوص «البهاغافاد غيتا»، ومن ذلك مثلًا أنّ الإله كريشنا يَعِدُ بتخليص من يتوب ويسلّم أمره له من جميع الآثام، مؤكدًا على أنّ كلَّ العصاة –حتى من كان عاصيًا جدًا– يمكنهم أنْ يجدوا طريقهم الصحيح إذا تابوا لله بإخلاص.. وفي البوذية أيضًا نجدها تركّز على أنّ الوعيَ بالخطأ وعقد النية على تركه هو بداية الطريق للتحرّر من الكارما السلبية.
كما نجد هذا المعنى بصورة أخرى في الفلسفة الطاوية الصينية القديمة، من خلال (التوازن بين النور والظلام)، المرتبط بمفهوم «الين واليانغ» حيث يرون أنّ الوجودَ يتطلب الأضداد، فالخطيئة أو الفوضى هي جزء من توازن الكون. فدون معرفة الخطأ لا يمكن للإنسان استيعاب الصواب. فالكمال في الطاوية ليس في غياب الأخطاء، وإنما في التناغم مع الطبيعة التي تقبل الخطأ ثم التراجع والنمو والإصلاح.
وكل ما سبق يتماهى وينسجم مع فلسفات أخرى، أبرزها الرواقية والوجودية، فالكثير من الرواقيين يؤكدون على أنّ الخطأ طبيعة بشرية؛ وهم بذلك لا يشجّعون الخطأ، بقدر تأكيدهم على أنّ الكمال ليس من شأن البشر، وأنّ الفضيلة الحقيقية تكمن في القدرة على تقويم الذات والتعلّم من العثرات.
كما نجد لدى الوجوديين أفكارًا من قبيل أنّ الإنسان كيان يبنيه هو بسلوكياته بناء على أنّ الوجودَ سابقٌ للماهيّة عندهم، فالاعتراف بالضعف البشري والمسؤولية عن الخطأ هو ما يمنح الحياة معناها؛ ولذلك نجد الكثير من الرفض في الوجودية لفكرة المثالية المطلقة، والتأكيد على ضرورةِ قبولِ نقصنا كبشر، وعدم المبالغة في جلد الذات.