فهد الدهمش المسعري

بعث الله نبيه محمد ﷺ ليبلغ الرسالة، فأول رسالاته ﷺ هي الدعوة والمناداة إلى توحيد الله بالعبادة فلا معبود بحقٍّ سواه، وكذلك إتمام مكارم الأخلاق فقد قال الرسول ﷺ: إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (1) وقال الله تعالى مادحاً نبيّه: وإنّك لعلى خُلقٍ عظيم.. ومن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم التي أطلقها عليه قومه رغم معاداتهم له: بالأمين.. فلا أمانة بدون صدق، ومن الأسماء المشهورة للرسول ﷺ (الصادق المصدوق) كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.

عندما تمر التًجْرِبة على خط الصدق تتولد الثقة وتُرسّخ قواعد الاعتمادية ولذلك حينما ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبل الصفا ونادى «يا صباحاه» بعدما أنزلت آية «وأنذر عشيرتك الأقربين» حتى تكتلت العشائر، فأصبح الرجل إذا لم يقدر على الخروج، نَدبّ رسولاً ليَنظر مالأمر، فقال ﷺ -: «أريتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟». قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا وفي رواية: «ما جرَّبنا عليك كذبًا.. إلخ» (2).

الصادق قريب من الله قريبٌ من الناس والكاذب بعيدٌ من الله بعيدُ من الناس ففي الحديث النبوي الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا» متفق عليه. وقد أوصى النبي ﷺ بالصدق فقال: عَليْكُم بالصِّدق؛ فإنَّ الصِّدق يهْدى إلى البِر؛ وإنَّ البر يهْدى إلى الجنَّة، وما يزَالُ الرَّجل يصْدقُ ويتَحَرَّى الصِّدق حتى يُكتب عنْد الله صِدِّيقًا.

قال الشاعر مسكين الدارمي (ت:89هـ)

إنَّ الكَريمَ إذا مَا كَانَ ذَا كَذبٍ ** شَانَ التَّكرمَ مِنهُ ذَلِكَ الكَذِبُ

والصِّدقُ أفضلُ شيءٍ أنتَ فَاعِلُهُ **لا شَيء كالصِّدقِ، لا فَخرٌ ولا حَسَبُ

وعلى النقيض من ذلك، الكذب عنوان مقالنا هذا الذي هو: الكذب سرطان الفرد والمجتمع.. أعاذنا الله وإيّاكم منه.. إنّه الخُلّة الخبيثة.. فقد قال عنه أحد الفلاسفة: لا يؤسفني أنك تكذب علي بل أنني لن أصدقك بعد اليوم.

وكما هو معلوم أنه مما يؤثر سلبًا على العقل ويصعق الروح الكذب، والكذب لغةً هو نقيض الصدق واصطلاحًا هو الإخبار بخلاف الحقيقة.. يصبح ويمسي المكذوب عليه وقد ارتفعت عيناه إلى الأعلى مدهوشًا كالمجنون وكأنما عقله سُلِب منه أو كأنه رُمي في أرضِ تيهٍ لا يعرف الاتجهات ثم أُعيد عقله إليه بطريقةٍ احترافيةٍ مرةً أخرى من قبل الكذاب.. غالبًا ما يعلوها رذاذ صدق ليعطي الكذّابُ نفسّه خط رجعة للكر مرة أخرى على عقل المكذوب عليه والأهداف من ذلك كثيرة والغايات متنوعة.

أثر الكذب على الصحة النفسية والجسدية:

سطّرت ريناد الكليب مقالًا محكمًا رصينًا بعنوان: آثار الكذب على الصحة الجسدية والنفسية وطرحت بين ثنايا مقالتها الحُبلى بالفوائد بأن فريقًا من الباحثين في جامعة لندن وجامعة ديوك قاموا بإجراء تجربة لمعرفة ماذا يحدث لأدمغة الكذابين إذا كذبوا؟ فهل ستصبح معتادة على الكذب والخداع؟ وبعد الإجراء عن طريق مسح الأدمغة ونشاط اللوزة (وهو الجزء المسؤول في إدراك وتقييم العواطف والمدارك الحسية والاستجابات السلوكية المرتبطة بالخوف والقلق) اتضح لهم - وللأسف المرير- أن الكذب والخداع بالنسبة لهم – أي الكذابين - مستساغٍ ومعتادين عليه عند ممارسته بشكل متكرر.

ويا ليت الأستاذة ريناد تطرقت أيضًا لآثار الكذب على المكذوب عليه وما ينتجهُ من ضغائن تسري في الجسد ثم تطفو على المجتمع. ثم لا بد للكذبة أن تنكشف عاجلًا أم آجلًا فقد قيل: حبل الكذب قصير، ويقول دوستويفسكي: لقد كان فيك منذ البداية شيء من الكذب، ومن كان الكذب بدايته فلابد أن يكون الكذب نهايته.

وقد سبق أولئك المذكورين آنفًا – في ظني – الشاعر الشريف العقيلي بقوله:

لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء أو قلّة الأدب

لبعض جيفة كلب خير رائحةٍ ** من كذبة المرء في جدٍّ وفي لعب

كيف يستلذ الكذّاب بالحياة؟!!.. واعزتي لمن يجالسه..

ختامًا: أرجو لمن ابتلي بمقابلة مثل هؤلاء الأشخاص الكذّابين أن يدعو لهم في ظهر الغيب، وعلى من لبس هذا الرداء المنتن أن يخلعه ويتضرع إلى الله بالتوبة النصوح.